في مدح الكسل.. لماذا نحب الاسترخاء على الأريكة؟!
أعتقد أن العمل الذي يُنجَز في العالم يزيد على ما ينبغي إنجازه بكثير، وأن ثمة ضررا جسيما ينجم عن الإيمان بفضيلة العمل".
(برتراند راسل، فيلسوف إنجليزي في مقاله "في مدح الكسل")
نشأت الحضارات الإنسانية قبل اثنتي عشرة ألف سنة تقريبا، وكان الإنسان قبل ذلك التاريخ صيادا جامعا بامتياز، إذ لم يكن هناك طريقة أخرى للحصول على الطعام سوى الخروج يوميا في مجموعات، بعضها تتولّى مهمة الصيد، والأخرى تتولّى جمع الفاكهة والجذور.
تطوَّر الجنس البشري كثيرا منذ ذلك الحين، وبدلا من الخروج للعالم لتأمين طعامك، أصبح العالم يأتي إلى عتبة بابك، حاملا ما لذَّ وطاب من أصناف الطعام دون أن تبذل جهدا يُذكَر. قد يدفعك هذا للظن بأن الراحة لم تَعُدْ ضرورية لبقاء البشر، فلو نفدت طاقتك لأي سبب، ما عليك إلا أن تمد يدك لجارور (درج) مكتبك، وتتناول قطعة الشوكولاتة المخبأة هناك، هكذا ببساطة! هذا الوفر في الطاقة والوقت كان من المفترض أن يدفعنا للحركة أكثر، لكن الواقع كان له رأي آخر.
المخاطر الصحية لنمط الحياة الكسول (Sedentary lifestyle) السائد في عديد من الدول، كزيادة الوزن، والإصابة بأمراض القلب والضغط العالي وارتفاع نسبة الكوليسترول في الدم، فإنك قد تجد صعوبة بالغة في مغادرة الأريكة والذهاب للصالة الرياضية، أو حتى صف السيارة أبعد قليلا عن وجهتك، حتى لا تضطر لمشي الأمتار الإضافية، فما السبب وراء هذا السلوك الذي قد لا يبدو منطقيا؟
"مفارقة التمرين"، فبينما تزداد حملات التوعية والدعوة لممارسة الرياضة واتباع أسلوب حياة أكثر نشاطا، تنخفض معدلات النشاط بين الناس، مما دفعهم للاعتقاد أن الإنسان المعاصر ما زال مُبرمَجا على حفظ الطاقة كما كان يفعل أسلافه.
الفرضية القائلة إن البقاء ليس للأقوى، بل في الواقع للأكسل. ربما تنطبق هذه النظرية على ساكنات الأعماق الصغيرة، ولكن الأمر قد يبدو مختلفا في كائنات أكبر حجما، مثل أسلاف البشر من جنس الإنسان المنتصب.
لعلك لاحظت أن العضلات التي لا تعمل كثيرا تُصاب حتما بالضمور، وكأنما يُغلق جسدك أجهزته التي لا تعمل ليُوفِّر الطاقة للأجهزة الأخرى. تنطبق النظرية نفسها على كفاءة القلب والأوعية الدموية، حيث تتصلَّب الشرايين وتقل كفاءة عضلة القلب، بل ويمتد التأثير على العظام أيضا، إذ يتوقف الكالسيوم عن الترسُّب داخلها وتُصاب بالهشاشة مع نقص النشاط البدني.
ما يحاول ليبرمان قوله هو إن الإنسان مُبرمَج على الكسل بدافع حفظ الطاقة، وهو ما يُعَدُّ الهدف الأسمى لخلايا جسدك حتى تُبقيك حيًّا، وإن أمراض العصر التي تسبَّبت بها الحياة المتراخية قد تكون قابلة للعكس عن طريق زيادة الطلب من جديد، أي عن طريق زيادة النشاط البدني، وأن أفضل طريقة لفعل ذلك هي أن نُحوِّل النشاط البدني الثقيل إلى نشاط اجتماعي مُحبَّب، كما كان أسلافنا يطاردون الفرائس في مجموعات ويحصلون على مكافأة جهودهم معا في شكل وجبة شهية، ثم ينالون قسطا من الراحة بعدها.
كتب راسل أن عدد ساعات العمل اليومية يمكن أن يُقتطع إلى النصف دون أن يؤثِّر ذلك على الإنتاجية أو رخاء المجتمع، كما ثبت أثناء الحرب العالمية الأولى عندما انسحبت نصف العمالة من الوظائف العادية لتعمل في التجسُّس وصناعة السلاح، دون أن يؤثِّر ذلك على توافر الخبز.
لكن بدلا من أن يعمل الجميع قليلا كل يوم، ويعيش الكل في سعادة ورخاء، أصبح نصف المجتمع يعمل لساعات إضافية، بينما النصف الآخر يتراوح بين البطالة وحياة الدعة. ما أراد راسل قوله منذ 90 عاما هو أن الكسل فضيلة فقط إن كانت متاحة للجميع بالتساوي.
في يومنا هذا، ما زالت فضيلة العمل ذات صوت عالٍ، وربما هذا ما يدفعك للشعور بالذنب لبقائك مُستلقيا لا تفعلُ شيئا، أو ما يدفعك لإنهاك نفسك في العمل أو النشاط، وبين هذا وذاك، يمكنك أن تخلق توازنا صحيا، يحميك من الانقراض كأسلافنا الكسالى، ويقيك من أمراض العصر التي تفتك بالكثيرين ممن يعيشون حولك الآن.
*
Jun 14, 2021
العمل مهمة سيزيف السعيد أو لعنة وإكراه
بعض الفلاسفة يرون العمل مفيدا ومنتجا، بفضله يضمن الإنسان حياته، في يرى آخرون مضيعة للوقت، وإهدارا لطاقة الإنسان، وأحد أسباب التعجيل بنهايته.
هل العمل بما فيه من كدّ وجدّ في شتى المجالات ضروري لكسب الرزق وتأمين الحياة، أم هو مضيعة للوقت، ووسيلة لإهدار طاقة البشر، وفرضٌ يلهي الفرد عن ممارسة حياته كما يهوى؟ أم أنه برغم مشقته طريق الفرد لتحقيق ذاته وإنسانيته؟
كم مرة تمنينا لو تكون أيام السنة كلها عطلا، نصحو متى نشاء، ونتمتع بأوقاتنا كما نهوى، ولا نُرغَم على القيام في مواعيد محددة للذهاب إلى عمل روتيني يبعث في النفس الملل، أو شاقّ نعود إثره مجهَدين في آخر النّهار، فنظل نعدّ الأيام والشهور والسنين التي تفصلنا عن التقاعد وكأنه خلاص من محنة سيزيفية، ذلك أن العمل يتبدى لنا مثل قَسْرٍ اجتماعي شاقّ ومنفِّر، نمارسه اضطرارا لكسب رزقنا وتأمين قوت عيالنا، فنُكرَه على الخضوع لقواعد وشروط نأباها في الغالب، لكونها ليست من وضعنا، ولكن لا حيلة لنا في التنصّل منها.
ذلك أن الإنسان شأن كل كائن حيّ مضطر إلى تأمين بقائه في طبيعة معادية أو لامبالية في أحسن الحالات، مرغم على توفير عدد من حاجاته الحيوية التي يواجهه الموت من دونها، ولكنه بخلاف الكائنات الأخرى عارٍ مما يؤهله للبقاء بشكل فطري. فالطبيعة كما بين أفلاطون في بروتاغوراس زوّدت الحيوانات بغرائز مؤكّدة توجّه سلوكها دون خطأ ممكن، وبأعضاء تستعملها كأدوات فطرية كالمخالب والمناقير والكلاّبات والأنياب، أما الإنسان فليس له من ميزة طبيعية غير أصابعه.
كان الإنسان فريسة سهلة منزوعة السلاح، وصيادا بطيئا وغير ماهر تمامًا، وكان يمكن أن يزول بيولوجيا لو لم يكن قادرا على صنع أدوات تحول بينه وبين العالم، وتحويل ما يحيط به بفضل نشاطه التقني، وإخضاع الطبيعة لحاجياته، لأنه الكائن الوحيد الذي لا يتأقلم مع بيئته، بل يؤقلم البيئة لضرورات بقائه، والعمل هو محرك ذلك التأقلم وحامله وناقله. ومن ثَمّ يبدو العمل ضرورة حيوية لإنتاج ما لا تنتجه الطبيعة وحدها، وإلا فإن بقاءه مهدّد بالزوال، ونوعه مهدّد بالانقراض.
يبدو العمل مفيدا ومنتجا، بفضله يضمن الإنسان حياته، ويقاوم الملل والضجر، ويملأ وقته بما ينفعه وينفع غيره، حتى أن بعض الفلاسفة يعتبرونه ضروريا للفرد والمجتمع. في كتاب “وضع الإنسان العصري” ترى حنّا أرندت في العمل نشاطا ضروريا لحفظ الحياة البيولوجية، لكون الحياة في نظرها مسيرة استهلاك، أي تدمير، والحفاظ عليها يقتضي مداومة العمل الذي ينتج ما نستهلكه.
العمل لا ينحصر في شغل يتقاضى عنه الإنسان راتبا، بل يتعداه إلى صنع ما يولّد سروره وارتياحه
فكيف إذن ننظر إليه كعامل إهدار لطاقة الإنسان ووقته وحياته؟
ماركس في “رأس المال” يتوقف عند النشاط مدفوع المقابل، ويرى أنه يضيع على البروليتاري وقته، لأنه يحرمه من حق استعمال قوّته الحيوية لصالحه، تلك القوة العاملة التي يتملكها الرأسمالي ويشتريها بأثمان بخسة كي يستغلها لمصلحته الخاصة وينمي ربحه على حساب غيره، لاسيما إذا كان الفرد عاملا لا يملك ما يبيع غير قوة العمل.
فالأجير في نظر ماركس، عاملا كان أم موظفا أم كادرا، مضطر أن يتحول إلى بضاعة، وبذلك يصبح وقت العمل زمن استلاب، لأن الأجير يفقد قوة عمله وحقه في التصرف فيها حسب مشيئته، وبالتالي، فإن الوقت الذي يقضيه في عمله هو وقت ضائع ما دام ليس على ملكه. ثمّ إن الوقت الذي يقضّيه في العمل يُفقده قوّته تدريجيّا حدّ الاستنزاف، فإذا هو يتوهّم أنّه يعمل ليعيش، والحال أنه يدمّر بالعمل حياته، وينهك جسده ويقصّر عمره.
ولكن إذا كان العمل مضيعة للوقت، وإهدارا لطاقة الإنسان، وأحد أسباب التعجيل بنهايته، فهل العطالة والبطالة والكسل والخمول هي التي يملأ بها الإنسان أوقاته؟
إن العمل لا ينحصر في شغل يتقاضى عنه الإنسان راتبا، بل يتعداه إلى صنع ما يولّد سروره وارتياحه. وإن كان شاقّا، فمردّ ذلك إلى الجهد الذي يقتضيه أداء مهمة أو تحقيق هدف أو صنع أداة أو آلة، تكون مبعث سعادته إذا أنجزها على أكمل وجه. وبذلك لا يكون الوقت الذي قضاه في العمل وقتا ضائعا، ما دام يتيح له تحقيق ما يرضيه وينفعه، وينفع الناس من حوله.
فالعمل هو الذي يعطي اللهو والترفيه والمتع معنى، لأنه لا يشغل أوقاتنا فقط، بل بفضله ننتج الفنون والعلوم والتقنيات وما إلى ذلك من أنشطة تشكل الثقافة التي نحقق داخلها طبيعتنا ككائنات عاقلة، وبالتالي إنسانيتنا. وفي رأيه أن العمل كجهد منتج هو وحده ما يجعل الوقت مفيدًا، وأن الركون إلى الكسل والراحة هو الذي يمثل مضيعة للوقت.
*
تقديس العمل واستحقار الراحة
"الثور المربوط في الساقية"
الرأسمالية التي تفرض مزيجا مدمرا من ضغوط العمل وانعدام الأمن الوظيفي، لكن الغريب أن الرأسمالية موجودة أيضا باقي أيام الأسبوع، فلماذا يُثير يوم الأحد بالأخص كل هذا القلق؟
وظيفة بالقرن الحادي والعشرين، يستطيع التفكير بطريقتين: عقل إنتاجي، وعقل يميل إلى أوقات الفراغ والترفيه. عندما يسيطر علينا العقل الأول، نتحول إلى مخلوقات تعمل بأقصى طاقتها للاستفادة من الوقت وتحسين النتائج، مبرهنين للعالم مدى اجتهادنا وعملنا الدؤوب، والأهم من ذلك كله، مبرهنين لأنفسنا قدرتنا على ذلك. أما عندما نكون في حالة من الاسترخاء، حينما يتولى عقل الفراغ زمام الأمور، فإن جميع الأصوات المزعجة تخفت بداخلنا، ونتمكّن بسهولة من مشاهدة فيلم أو إنهاء مشروبنا دون التفكير في كيفية تأثير سلوكنا على سمعتنا وتقييم أدائنا.
شرارة الحرب النفسية بين هذين النمطين من التفكير تبدأ وتستمر لعدة ساعات مساء كل أحد، قبل يوم العمل، فيظهر الشعور بالذنب ويكدرك إن لم تنفض عنك الخمول الآن، تستمر هذه المعركة بداخلك، ومع اقتراب الوقت يُثارالعقل الإنتاجي، ويتزايد الخوف من ضغوط العمل في الوقت الذي يتنازل فيه العقل الترفيهي عن السلطة، وهكذا دواليك كل أسبوع.
تتساءل: ماذا لو تمكّنا فقط من التنقل بسهولة تامة بين هاتين العقليتين؟ الإجابة المفاجئة عن هذا السؤال هي أن المشكلة ليست إن كان هذا ممكنا أم لا، لكن معظمنا قد لا يريد هذه السهولة من الأساس!
السعادة تعني أن تكون هرولتك في الحياة كافية لتحقيق ما تريده".
أسعد الناس كانت المجموعة التي أفادت بكلمة "أبدا"، أولئك الذين أقرّوا بأنهم نادرا ما شعروا بالعجلة وقت الإنتاجية، أو بالملل وقت الفراغ، وهذا لا يعني أنهم كانوا مسترخين تماما، بل يعني أن جداولهم تناسبت مع مستوى طاقتهم، وأن العمل استحوذ على انتباههم دون استنفاده.
الاستياء الذي أبداه الأميركيون من أوقات الفراغ. ربما نشكو باستمرار من جداول أعمالنا المزدحمة، لكن يبدو أن القاتل الحقيقي للسعادة هو عدم التخطيط لأي جدول زمني على الإطلاق، وقد رأى روبنسون في بحثه أن الأشخاص الذين امتلكوا الكثير من وقت الفراغ، كانوا أتعس بكثير من أولئك الذين ازدحمتْ جداولهم (المهرولون لتحقيق الإنتاجية).
في رأي الشخصي هو ده البحث عن المعني علم نفس
الناس يجتاحهم قلق شديد عندما لا تُوكَل إليهم المهام، سواء كانت مدفوعة الأجر أو غير مدفوعة، بل إن هؤلاء وُجِدوا في أسفل تصنيفات البحث مسجلين "مستوى غير مسبوق من التعاسة". وعلى الرغم من شعورهم الدائم بأنهم ليسوا مقيّدين بجدول زمني معين، فإن الغريب حقا هو إحساسهم الدائم بالاندفاع (الهرولة) نحو شيء ما. هذا هو البؤس النفسي الذي يعاني منه شخص بلا وجهة معينة، فتتحول رغبته المُلحّة في التغلب على الكسل إلى مصدر للتوتر. لطالما أدهشني هذا الوضع باعتباره أكثر أنواع القلق الحديث غرابة، إنه نفسه الرعب الذي يتملّكنا بحلول يوم الأحد ويستمر معنا طوال الأسبوع.
لحل هذا الوضع الغريب، يحتاج المرء إلى أن يشعر بالانشغال، أو أن وقته منظم، حتى وإن كان ممددا على الأريكة بعد الظهيرة في عطلة نهاية الأسبوع. وقد تتساءل: من أين يأتي ذلك التفسير؟ هل هو مدرج في حمضنا النووي "DNA"، أم أنه اختراع من اختراعات الثقافة الصناعية؟ للإجابة عن هذا السؤال، يتعيّن علينا أولا فهم تركيبة الحياة البشرية لمعظم تاريخنا قبل أن تشق الحضارة وأسابيع العمل المرهقة طريقها إلى الصورة، لذا سنحتاج للعودة بالزمن قليلا والعيش بين الصيادين في المجتمعات البدائية ومراقبتهم، واختبار العلاقات التي تربطهم بالعمل والوقت والمتعة.
عالم الأنثروبولوجيا (علم دراسة الإنسان)
كتابه الجديد بعنوان "العمل.. تاريخ عميق بداية من العصر الحجري إلى عصر الروبوتات (Work: A Deep History From the Stone Age to the Age of Robots)"، يصف سوزمان أفراد قبائل جو/هانسي بأنهم شعب يتمتع بصحة جيدة ومبتهج دائما وراض تماما بأقل قدر ممكن من العمل، ولم يكن من قبيل الصدفة أن يظهر ذلك في ابتكار العادات التي تُثبِّط المنافسة والسعي إلى المكانة. كتاب قلق السعي للمكانة
من خلال الجمع بين البحث الأنثروبولوجي الدقيق والرحلات الاستكشافية في علم الاجتماع وعلم النفس، يتساءل سوزمان كيف وجدنا أنفسنا أكثر اضطرابا وقلقا -وبَدَونَا أكثر تعاسة- من المجتمعات البدائية الصغيرة التي نشأت منها الحضارة؟ فإن كانت هناك طريقة أفضل للتعامل مع ما سببته الحداثة من ضغوط -تتناقض مع ما منحته من وعود- فربما يمكن لقبائل الجو/هانسي أن تنير لنا الطريق.
يرى سوزمان أن ما يميز الكائنات الحية -وعلى رأسها الإنسان طبعا- عن المواد الخاملة هو العمل والحركة، فيقول: "إن الكائنات الحية فقط هي التي تسعى بنشاط وتحصل على الطاقة للعيش والنمو والتكاثر". ومع ذلك، هناك تاريخ مقداره مليون سنة من العمل وأوقات الفراغ، يحمل مفتاحَ استثنائية البشر عن بقية الكائنات الحية، حققنا خلاله تقدما ملحوظا، لكن هذا التقدم أحيط بجانب من الاستياء والسخط.
جاءت النار، وبقدومها تغير كل شيء،
المثير للدهشة أن قبائل الجو/هانسي ظلت متحررة على مدى قرون من الرغبة في ملء أوقات فراغها بأي نوع من الأنشطة التي نصنفها على أنها مُنتِجة (وهي في الحقيقة مدمرة لأعصابنا)،
ماذا حدث للبشر
الأنشطة الحالية التي نمارسها في أوقات الفراغ (مثل استخدام وسائل التواصل الاجتماعي) باتت مكتظة بمعايير الأداء والتفوق، ناهيك بألعاب الطفولة (كالانضمام للفرق الرياضية) التي أصبحتْ مدعاة للتفاخر وتعزيزا للسيرة الذاتية فقط، والتي بدورها ترتبط بالعمل.
ظاهرة أن الحياة الحديثة صعّبت على البشر نسيان عملهم، كذلك فإنه يلفت انتباهنا إلى الطبيعة المتغيرة للعمل، معتمدا في ذلك على كتابات الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم الذي أشار إلى اختلاف جوهري بين المجتمعات البدائية والمجتمعات المعقدة، وأسماه "قابلية التبادل"، بمعنى قدرة المرء على امتهان وظيفتين مختلفتين كليا، فنجد مثلا أن زعماء القبائل والشامان (سحرة دينيون يدّعون أن لديهم قوة تتغلب على النيران) في المجتمعات البدائية تمكّنوا -بجانب وظيفتهم هذه- من الخروج أيضا للصيد وجمع الثمار. حافظتْ المهام المتداخلة المسندة إلى الأفراد على الحس القوي بالترابط المجتمعي الذي تعززه العادات والأديان التي قلصت جميع الفروق الفردية في القوة والمهارة والطموح لصالح الإيمان بالعمل المشترك والقيم المشتركة.
إذا نظرنا إلى مجتمعاتنا الحالية التي تعتمد على الاقتصادات الصناعية، فسنجد أن الأمور مختلفة كليا، فلا يُجرِي المحامون جراحات الدماغ، ولا يحصد رقباء التدريب العسكري القمح، فالوظائف المختلفة باتت تتطلب مهارات مختلفة، وغالبا ما ترتبط بأجور مختلفة إلى حد كبير. ومع انتشار التخصصات والمكافأة التي تُمنَح للأداء المتفوق، ظهرت عبادة المنافسة، اعتقد المتفوقون أنهم قادرون دائما على المحاولة باستماتة وبذل المزيد من الجهد، بل ويجب عليهم ذلك للحصول على زيادة أعلى، أو منزل أكبر، أو شرف أعلى، أو تحقيق تقدم باهر في مسيرتهم.
الراحة التي كان يتمتع بها أسلافنا في يوم من الأيام تحولت إلى قلق الآن. لا يختلف أحد على ازدهار وضع الإنتاجية في وقتنا الحاضر، وربما ننسب الفضل (بجانب الحظ) إلى التقدم العلمي والإبداع التكنولوجي، لكن هذا لا ينفي حقيقة أن هذا نفسه كان السبب فيما أسماه عالم الاجتماع الفرنسي دوركايم "مرض الطموح اللامتناهي"، والذي اكتشفنا الآن أنه مرض مزمن.
سر السعادة، كانت الإجابة المشتركة لمعظم الأميركيين من جميع الأعمار هي حصولهم على "وظيفة أو مهنة يستمتعون بها". وكما هو واضح، فإن هذه الرغبة تفوقت على رغبة الزواج أو إنجاب أطفال أو أي علاقة أخرى جادة بها التزامات، توضح النتائج أن المهنة -لا المجتمع- هي الحجر الأساسي الذي تقوم عليه الحياة.
العقل الذي يميل لأوقات الفراغ لم يحظَ بفرصة كافية للاستمتاع.
علاقتنا بالوقت، تحديدا بالمستقبل. يرى سوزمان أنه نادرا ما تجد في المجتمعات البدائية ذات المناخات الاستوائية فكرة تخزين الطعام لأكثر من بضعة أيام، فمثلا ثقة قبائل الجو/هانسي في وفرة بيئتهم جعلتهم يخصصون ساعات محددة للعمل تفي احتياجاتهم المطلقة (الأساسية)، ثم يتعيّن عليهم بعد ذلك التوقف فورا للراحة بدلا من التخطيط للمستقبل.
بالمقارنة، نجد أن الحضارة الحديثة هي مثوى أو ضريح للمستقبل. يرجع هذا التحول إلى الثورة الزراعية التي أخضعت البشر لدورات زراعية (وهي تناوب محاصيل مختلفة على قطعة أرض واحدة)، حيث ألزمتهم بالانتظار لعدة أشهر بين زراعة المحاصيل وحصادها، واستمرت هذه الدورات مع ارتفاع التمويل، لكن التركيز على المستقبل الآن يمضي إلى ما هو أبعد بكثير من مجرد دورات للمحاصيل أو الاعتماد على قروض طويلة الأجل، وإنما يُعدّ التركيز على المستقبل جوهر مفهومنا للتعليم، والذي يفترض أن الطلاب والعاملين الشباب سيقضون بكل سرور عقودا في صقل مهاراتهم التي سيُكَافَؤون عليها بسخاء بعد عدة سنوات.
التفكير المفرض في المستقبل
تتمحور معظم القيم الحالية حول أهمية العزيمة والأمل في إحراز التقدم والتطلع إلى الترقي الاجتماعي، وتفترض هذه القيم أن المستقبل دائم التغيير، وأن رغبتنا الدائمة ستكون التطلع إلى الأفضل. في الوقت ذاته، نجد أن التفكير السلبي المفرط تجاه المستقبل هو السمة الأكثر شيوعا لاضطرابات القلق التي تُصيب ما يقرب من 20% من الأميركيين.
الحضارة الحديثة أنتجت الكثير لنكون ممتنين له، مثل الطاهي البطيء
(Slow Cooker)، وهو جهاز كهربائي يُستخدم في طهي الطعام بطريقة صحية لفترة طويلة من الوقت، وتطبيق "الفينمو" على الهواتف الذكية الذي يُتيح للمستخدمين إرسال الأموال واستلامها، واللقاحات والأسبرين والمصابيح الحرارية والقفازات، هناك أيضا شركة أمازون، وصابون اليدين، ومكيفات الهواء، كل هذه الأشياء وغيرها، لكن على المستوى الفردي يُقدِّم سوزمان الوعد المحيّر بأن يكون لدى قبيلة الجو/هانسي شيء ما لتعليمه لأولئك الذين أصاب دوار الحضارة أدمغتهم بالاضطرابات.
المجتمعات البدائية المركزة على الحاضر، تعيّن عليها تطوير إستراتيجيات مجتمعية لسحق الدوافع وراء العمل الزائد، والتخلص من حسد المكانة الاجتماعية، وإسقاط الحرمان والتفاوتات بين الطبقات، فمثلا عندما يعود أحد الصيادين من قبائل جو/هانسي بغنيمة كبيرة، سرعان ما تتنبأ القبيلة فورا بخطر أن هذا الصياد قد يعتقد أن براعته رفعته منزلة أعلى من الآخرين، فيفسر أحد رجال القبيلة هذا الوضع بقوله: "لا يمكننا قبول تصرف كهذا، لذا نقول له دائما إن لحم فريسته لا قيمة له، وبهذه الطريقة نبرِّد قلبه من الغرور، فيصبح لطيفا خاليا من أي كبر". أصبحت هذه العادة معروفة بين الباحثين باسم "إهانة لحوم فريسة الصياد".
لم تكن هذه هي العادة الوحيدة التي تهدف إلى تثبيط روح المنَافَسة على المكانة المُزعزِعة للاستقرار الداخلي للقبيلة، وإنما ابتكروا عادات أخرى كتب عنها سوزمان: "أصرّتْ القبيلة أيضا على أن المالك الحقيقي للفريسة والمسؤول عن توزيعها ليس الصياد، بل صاحب السهم الذي قُتلت به الفريسة". ولأن القبيلة وضعت مكافأة أيضا للمساهم شبه العشوائي في الغنيمة (أي المالك الأصلي للسهم)، توجب عليها أن تُبقي صياديها الموهوبين تحت المراقبة، بهدف السيطرة على أي نزاعات، وتحقيق المساواة بين أفراد القبيلة، وكانت النتيجة سارّة بالنسبة إلى "كبار السن، ومن يعانون من قصر نظر، ومن لديهم اعوجاج في القدم، والكسالى الذين حظوا بفرصة ليكونوا محور الاهتمام بين أبناء القبيلة من وقتٍ لآخر".
أدهشني إبداعهم، وأذهلتني فكرة الاستهانة بالإنجازات الاستثنائية، لكن على الجانب الآخر، أصابني القلق لعدم قدرتي على تخيل أنه بإمكاني تحمل تبعات مماثلة للانسجام تدريجيا مع المجتمع، وهذا أكدّ لي أن السنوات العديدة التي كنت بها سجينا للتفكير الزائد في الإنتاجية، والعديد من أمسيات الآحاد المضطربة، أفسدت عقلي.
أولئك الذين لا يستطيعون التوقف عن التخطيط للمستقبل محكوم عليهم بالعمل من أجل توفير حياة لن يجدوا الوقت الكافي ليعيشوها أبدا.
*
Aug 15, 2021
الكسل المعرفي
يسهل عليه تقديم معلومات خاطئة معينة أو قَبولها. وهذا ما يجعله أكثر عرضة للتلاعب، خاصة عندما يتعلق الأمر بما تبثه وسائل الإعلام الرئيسية.
الأكاذيب والإشاعات والأخبار العالمية الجاهزة.
مثل استخدام القوالب النمطية أو التحيزات أو المعتقدات الراسخة. وهذا هو ما يفعله دماغنا بالضبط، تبسيط المعلومات التي نتلقاها لتَوفير الوقت والطاقة. ويترجم ذلك إلى التصديق بالحقائق الشائعة والخطيرة جدا.
فنحن تقريبا بشكل يومي نتلقى معلومات وصورًا جديدة، ناهيك أنه لا يوجد وقت لمعالجة كل شيء بدقة.
عندما نفتح الهاتف المحمول، نريد فقط إلهاء أنفسنا أو البحث عن بعض الراحة أو الاستمتاع… نحن نشاهد ونقرأ بدون تفكير وهذا يجعلنا نصدق حقائق تم التلاعب بها بالكامل.
فيجب علينا تنشيط التفكير القابل لعكس كل ما نراه ونقد كل ما نقرأه
*
. تحرّر من شتى الالتزامات التي يفحمكَ بها الوضع الاجتماعي، فتحس بأنكَ حر، لا شيء يضغط عليك بأمر معين، يلزمكَ التقيد به: أنت كسول، فأنت بالضرورة حر.
تخلصكَ من ثِقل الزمان وأعبائه، بحيث تمتثل من الآن فصاعدا لزمنكَ الذاتي، تحدد متوالياته بالكيفية التي تريد وتتوخى.