الأحد، 21 يناير 2024

لماذا يحب الناس كرة القدم.

في ربط المنافسة الرياضية بالقضايا المصيرية // كرة القدم

 الجنس والدين و كرة القدم 

كرة القدم في مصر متخلفة . انشغال الرأي العام بما يجري داخل الأندية

جمهور كرة القدم 

إدمان الأزواج على مشاهدة مباريات كرة القدم يحوّل البيوت إلى ساحات توتّر


Sep 21, 2020

 في ظل عالم لا تخلو أي بقعة من بقاعه من الحرب أو الظلم بشكل أو بآخر، سواء كانت تلك الحرب اقتصادية أو عسكرية أو أهلية، ستجد دومًا ذلك العنصر المظلوم الذي بدأ يتولد لديه شعور بفقدان الانتماء لذلك الوطن الذي يسكن فيه، ولكن سرعان ما يبدأ هذا الشعور في التلاشي أثناء مشاهدة مباراة في كرة القدم لفريقه المُفضّل أو منتخب بلاده، ذلك لأن الانسان في حاجة دائمة للشعور بالانتماء و وجود جماعة تحتضن نفس أفكاره وتدافع عنها بل و قد يصل الأمر أحيانًا إلى التضحية بحياتها من أجل ذلك الانتماء حتى لو كان انتماء لكرة القدم!.

 تخفيف آلامه بمُسكن ما، مُسكن يساعده على المغامرة و المخاطرة والانفعال لترقب نتائج غير مضمونة قد تحمل فرحة غامرة أو حزن عميق، و قد رأى الكثير من الناس في كرة القدم ذلك المُسكن الفعال لشعورهم بالنمطية في حياتهم، مُسكن قد يمتد مفعوله مع صاحبه ليوم أو اثنين و أحيانًا يصل إلى شهر كامل إذا كانت البطولة غالية أو الهدف قد أتى بعد الدقيقة الـ 90!.

البساطة والجمالية.

وقت المباريات القصير.

سهولة مشاهدة المباريات عبر التلفاز أو الإنترنت أو غيرهما.

توفر المباريات محلية كانت أو إقليمية أو عالمية.

لعبة عابرة للجغرافيا والحدود والثقافات والعادات والتقاليد.

لعبة غير مكلفة ولا تمييز فيها من حيث العرق أو الدين أو الجنس أو الشكل.

مشجعو اللعبة شباب وشيب وأطفال من الجنسين.

أساطير اللعبة.

تسعون دقيقة من الإثارة تنسيك مشاغلك وهموم حياتك اليومية.

كل الاهتمام موجه نحو كرة القدم التي تحظى باهتمام المسؤولين المصريين رغم أنها لا تحقق إنجازات تذكر،

Oct 31, 2021

الخلايا العصبية بالمخ تشعرك أنك جزء من الفريق.. اعرف ايه اللى بيحصل فى جسمك عند مشاهدة الماتش؟.. فوز فريقك يزيد هرمون السعادة.. وسر عشق الجماهير لكرة القدم مشاعر الإثارة والتشجيع


مهووسين بالكرة

عندما يخسر فريقك، ينتج عقلك هرمون الكورتيزول، وهو هرمون التوتر الذى يصدره جسمك عندما تكون تحت الضغط النفسى، والأسوء من ذلك أن أدمغتنا قد تنتج كمية أقل من السيروتونين، ما قد يؤدي إلى زيادة الغضب والاكتئاب.

أما عندما يفوز فريقك أو يلعب بشكل جيد، يبدأ عقلك في إطلاق هرمون الدوبامين، الذى يساعدك على الشعور بالسعادة.

مجرد عرض ورياضة. إنها متعة، أخوة، تنفيس، إثارة، فرح، غضب، تناقض، روح رياضية، ووحشية. كرة القدم هي أيضا انتماء، وهي الأسرة والمجموعة والهوية".

*

فلسفة كرو القدم 

 كرة القدم مهرباً وملاذاً بعيداً عن هموم العمل والحياة التي تُنسى عندما تنغمس في مباراة وتستمتع بفترة من الخمول التام. تمنحك كرة القدم رفاهية التفكير، إذ يمكن للمرء أن يفكر في طبيعة الرياضة، وما يتشعب عن ذلك من تأملات في الحياة والأخلاق والعالم والميتافيزيقيا.

الخير هو ما يصب في مصلحة الأقوى.
عند اعتماد فلسفة الفوز بأي ثمن تلك. كانت النتيجة أن اللعبة أصبحت منحطة ووحشية

الهجوم الشامل؟ أم أن المهارات الدفاعية من القيم العليا لهذه الرياضة؟ ثم هل من المناهض لكرة القدم أن تلعب بمبدأ السلامة؟ وهل يجب أن تسمح كرة القدم بالتعبير عن المهارات الفردية للاعبين؟ أم يجب أن يلتزموا بخطة المدرب بشكل صارم؟

ليس من الجيد أن نقول إن فلسفة ما أفضل من أخرى لأنها تحقق انتصارات أكثر، لأن أهمية النصر في حد ذاتها مسألة معيارية، ففي حالة فلسفة مثل فلسفة «الفوز بأي ثمن» نجد أنها كانت محل رفض كفلسفة، على الرغم من تحقيقها النجاح.

الجمع بين الفوز وتقديم أداء ممتع في الوقت ذاته.

وتستدعي تكتيكات كرة القدم لدى المؤلف نظريات الفيلسوف الألماني هيغل، الذي اقترح أن حركة التاريخ مدفوعة بعملية جدلية تكون فيها المواجهة بين الطرح والطرح المضاد قبل أن يظهر طرح يجمع بين الطرحين السابقين في تآلف تام.

يقرر فيها المدرب أنه سيلعب بشكل هجومي بحت، فيتلقى العديد من الأهداف التي تهز شباكه. وبالتالي يتعلم مدرب آخر الدرس، فيقرر أن يلعب بشكل دفاعي بحت، فلا يتمكن من إحراز أهداف كما أن اللعب هنا يفتقد للمبادرة والمتعة. وبالتالي، يظهر مدرب ثالث يجمع بين التوليفتين السابقتين ويقرر أن يلعب بطريقة تجمع بين الهجوم والدفاع في شكل متوازن.

يربط المؤلف بين كرة القدم وبين متعة الأفكار الخاملة بالمعنى الذي حدده الفيلسوف البريطاني بيرتراند راسل في مقالته التي نشرها عام 1932 بعنوان «في مديح الخمول»، حيث توفر الكرة إمكانية الهروب، وذلك لأنه لا طائل من ورائها بنهاية المطاف. هي الوسيلة والغاية في الآن نفسه. إن الإنسان العادي يزرع ليأكل ويبني ليسكن، ولكن هذا الإنسان ذاته لا يلعب ولا يشاهد كرة القدم لأي غاية أخرى محددة سوى اللعب أو المشاهدة. وإذا قلنا إن تلك الرياضة غايتها إحراز الأهداف حتى يحصل اللاعبون على مستحقاتهم وتسعد الجماهير، إلا أن الحقيقة القاسية هي أن إحراز الأهداف لن يحقق السلم العالمي أو يعالج السرطان. وبالتالي لا بد من الاعتراف بأن ما تفعله كرة القدم يختلف تماماً عما يفعله الطب أو الزراعة أو البناء، وهذا يدل على أن للكرة قيمة ترفيهية نفسية تتجاوز الواقع اليومي بضروراته الضاغطة واحتياجاته الأساسية.





الجمعة، 19 يناير 2024

كل شخص غايته الخاصة، بل هي جوهر الوجود

 لهذا تسمي الدولة عنفها "قانون"، بينما تسمي عنف الأفراد "جريمة".

 تسجل نفسك وأنت تغني، أو تصور نفسك وأنت تفعل شيئا ما، لتتفاجىء بالمستوى المضمحل والضعيف الذي تسبح فيه. وإذا كنت تحسب أن الأشخاص الناجحين يمتلكون حظا خارقا أو قدرات خارقة فأنت على خطأ،

أحسن تسلية تضيع بها وقت فراغك أن تجلس وحدك في عزلة، و تغمض عينيك، و تذاكر العواطف التي شعرت بها، و كل الدوافع التي تأرجحت بينها، و كل الافعال التي أتيتها، و الكلمات التي قلتها، و النيات التي أخفيتها، ثم تحاول أن تصل الى حقيقتك و تعرف واقعك، صدقني أن واقعك سيدهشك و يفاجئك كأنه واقع شخص اخر لا تعرفه.

الموت في سبيل مجتمع مثالي أو سياسة مثالية أو واقع مثالي، أشبه بمن يموت في سبيل حبيبة خائنة، لأن "الإنسانية" و"القيم" بل وحتى "المجتمع" نفسه (على قول هايدك) مجرد أشباح تستعمل للسيطرة على عقول الأفراد،

 الواقع ليس ما كان، و إنما ما أقرر أنا أنه سيكون.

خلق الله الأرض للإنسان ليحتلها، وليس ليحافظ عليها.


الثلاثاء، 2 يناير 2024

من خلق الشر؟.. قدرة إلهية أم صنع إنساني

Mar 9, 2022

وحدة الوجود عند سبينوزا، ومعضلة الشر لإبيقور

لماذا يوجد الشر في الكون؟

أزهار الشر لبودلير

ما وراء الخير والشر.. لماذا أحببنا والتر وايت **********

الشر **********

*

Jun 29, 2020

كل المحدثات فعل الله وخلقه سواء خيرها وشرها

مع أن الفعل خيره وشره لله، فالأدب ألا ينسب له إلا الحسن، فيُنسب الخير لله والشر للنفس كسبًا، وإن كان منسوبًا لله إيجاداً، قال تعالى: (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) 

 (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ)  (قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ)

 عبارة "من شر ما خلق" تشير بوضوح إلى أن الشر من صنع الخالق

 الله قد خلق الشر بحد ذاته، وإنما الشروط التى ضمنها يظهر الشر، وهكذا فإن الشر هو نفى للخير، الذى يتوافق مع الحق.

 خلق الشر ليس قبيحًا بل القبيح هو أن يكتب الإنسان بمحض إرادته الشر وهو يدرى أن هذا شر

 من مظاهر حكمة الله من خلق الشر، قوله وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ".

فيما يذهب كتاب "الاعتدال والوسطية لشرح العقيدة الطحاوية 1-2 ج2" إلى تفسير المعتزلة، أن جميع الأفعل التى يقوم بها العبد هى بإرادة العبد المطلقة ومشيئته النافذة، وليس لله سبحانه وتعالى أى دخل فيها، والعبد هو الذى يخلق جميع أفعال بنفسه.

أفعال الخير والشر تخضع فى ظاهرها لمنطق الجدل والحقيقة أن الإنسان بطبيعته ينطوى علـى قدر من الفساد أو الشر وبداخله الخير أيضًا، وهو وحده يستطيع أن يعلى أحدهما على الآخر وينتصر لنفسه ويؤكد أن الخير بداخل كل منا كما يوجد الشر أيضًا.
من كتاب اقتصاد السعادة 

هل الله خلق الشر وهو خير محض؟!.. وهل هذا يعني أن الشر صادر عن الخير المحض؟! أو أن 
الخير يمكن له أن ينتهي إلى شر؟!

 تناقض واضح وشتات لا يصل إلا إلى نسف مقدمات هذه النتيجة والنظر للخير والشر من منظار آخر وبطريقة أخرى لتصحيح المفهوم الحقيقي حول هذه المسألة. وجهة نظر أخرى تعرف أنه لا مفر من هذه النتيجة الحتمية للتنقيب في وجود الخير والشر إلا القول بأنهما لا وجود لهما أصلًا، أي أنه ليس لهما وجود في الخارج، وما حقيقتهما إلا حكم الحاكم في قضيةٍ ما وتصنيفها وفق هذه التسميات الموجودة في الذهن. 

كما أننا لا نغفل أن تفسير المفهومين يختلف من فرد لآخر وحيٍّ لآخر، فما يراه الذئب خيرًا في إطعام أولاده وإسكات جوعه بلحم ذاك الحمل، تراه الخراف شرًا محضًا ووحشية، وتطلق هذا الحكم المناقض لحكم الذئب بشأن هذه القضية، والجلاد يجلد المحكوم ظنًا منه بخير يفعله في تنفيذ الحكم والمجلود يراه ظلمًا وقسوةً بحقه، وكذلك هم الجنود على الطرفين من ساحة المواجهة يرون ما يفعلونه خيرا وأن الشر هو ما يصارعون على الطرف الآخر ويتبادلون هذه الأحكام نفسها على ضفتي المعركة.

تتباين المفاهيم من ثقافة لأخرى ومجتمع لآخر ومن شخص لآخر أيضًا كما هي متباينةٌ بين أحكام الذئب والخراف. إن التفكير في الأمر مفزع ولكنه مثمر كذلك، يكسر حجرا آخر من أحجار الوهم ويفتح الباب لقضايا أخرى أكبر كحقيقة نظرية العدل الإلهي وغيابه عن هذه المسألة في كل حركة تفاعلٍ في الكون وغياب مصاديقه عن الكثير، بل إن الأمر سينسف الكثير من المقدمات الاعتقادية السابقة والتفكير في الكون والوجود من ناحية القِدَم وسقوط فكرة الحادث أو سقوط الوعي عن قوة الإيجاد إذا كان الكون حادثًا. 

*

تأملات في منطق الشر

قدم ديفيد هيوم موضوعات تحت اسم أسئلة أبيقور القديمة وطرح مجموعة أسئلة منها، هل يريد “الله” أن يمنع الشر، لكنه لا يستطيع؟ لو صح ذلك فلن يكون كليّ القدرة، أم أنه يستطيع لكنه لا يريد؟ لو صح ذلك فلن يكون كليّ الخيرية. أم أنه قادر ويريد في آن واحد؟ فمن أين إذن يجيء الشر؟

يتبين من هذا أن احتمالية تغير الاتجاه واردة إذا كانت هناك منفعة فمن الممكن أن نرتكب بعض الأخطاء نتيجة المنفعة. من تجارب علي الاطفال

Oct 2, 2019

*

الدين والفلسفة والعلم لا يمكن لأحدها أن يعوض الآخر. 

يرفض رجال الدين أن يحدد علماء الاجتماع أو المؤرخون طبيعة عقيدتهم بدلا عنهم. ومثلهم الفلاسفة حين يُسألون عن طبيعة تأملهم، وقس على ذلك رجال السياسة والقانون والفنون، فكل فئة ترى أنها الأقدر على تعريف اختصاصها.

الفكر الفلسفي والفكر العلمي.. تكامل أم تنافر؟

الفلسفة لم تناقض الدين بل كرست وظيفته الفكرية والأخلاقية في عالم جديد أكثر تمدّنا وتقانة ومعرفة

*Jan 21, 2021

*

 تيري ايجلتون في كتابه بين الخبث والأعمال اللا اخلاقية من جهة، وبين الشر من جهة أخرى، معتبرا أن الشر هو سلوك ناتج عن أشياء مثل الحسد والغيرة والغضب، وهو عبارة عن رغبات جائعة ومتناسلة في النفس البشرية، وهو ما أطلق عليه فرويد دافع الموت نقص حرمان 

 مصطلح الطغاة الطيبون، على مجموعة من الأفراد الذين يعملون في سلك السياسة وأجهزة المخابرات، فبالرغم من عملهم في تعذيب المساجين بأقسى وأبشع الطرق اللا أخلاقية، إلا أنهم قويمو السلوك في المجتمع وهم أزواج أوفياء وآباء تملؤهم الرحمة والشفقة، وهم يدعون الوطنية ومخلصين تماماً في جميع انتماءاتهم، فكثيرا ما تستفزنا الدهشة عندما نشاهد طاغية قتل الملايين من البشر، وأزهق أرواحا لا ذنب لها في الحياة، لكنه يبكي لمنظر طفل متسول أو فتاة يتيمة، أو يتأثر أكثر مما يتأثر غيره من البشر الأسوياء بمناظر ومشاهد يكون فيها في غاية الرقة واللطف، بل ربما يكون إنساناً مرهفا أكثر من غيره.

الأفعال الشريرة بالأفعال السيئة، وهو يتبنى تفسير هذه الأفعال إلى الدوافع البيئية المتمثلة في الظروف الاجتماعية، وإلى سبب آخر ذاتي يتعلق بمؤثرات الشخصية التي تتحكم في سلوك الفرد، وقد يجتمع السببان في الفرد، لذا توصل ايجلتون أن أصحاب الشر هم أبرياء، لأن الشر يكمن في أسباب بيئية ونفسية لا ذنب لفاعل الشر فيها..


الأحد، 10 ديسمبر 2023

نظرية القطيعة الإبستيمولوجية. غاستون باشلار

من البنيوية إلى ما بعد الحداثة
كتاب ” الفكر العلمي الجديد” الذي ترجمه إلى العربية عادل العوا، يرى أن التجربة العلمية ماهي إلا تطبيق للعقل ونظرا لذلك فإنه يعتقد “وخلافا لما درج عليه ديكارت أن الأهم هو العقل” حيث “يذهب باشلار إلى إبراز ما للتجربة من أهمية قصوى”

*********************
ربطها بكتاب الذاكره
الأسباب العميقة لارتباطنا بمكان ما خصوصا البيت، الذي هو رمز الألفة المحمية،  فهو يرى أن البيت أكثر من منظر طبيعي، هو ظاهرة نفسية، حتى لو رأينا صورا خارجية له؛ فهو مكاننا الذي ينطق بالألفة والحماية، الوسيلة التي نرسي بها جذورنا يوما بعد يوم في هذا العالم.

يقول باشلار إن "كل كتاب جيد يجب أن تعاد قراءته بمجرد الانتهاء منه، فبعد القراءة التخطيطية الأولى تأتي القراءة الخلاقة"، يبدو أن القراءة الأولى لا تكشف لنا إلا القليل، وكتابه هذا لا تكفيه قراءة واحدة؛ في البداية ينكشف عالم باشلار الغريب بحذر ولكن مع القراءات المتكررة ينفتح الكتاب ويمنحنا صورا فنية نبني بها روابط وعلاقات جديدة مع الأماكن التي لم نعد نشعر بها، يحكي باشلار أنه عندما انتقل لباريس كان منزعجا من صوت السيارات في المدينة كل صباح، لكنه عندما قرأ صورة وردت في قصيدة للشاعرة ايفون كاروتش، التى بدا لها فجر المدينة "همهمة قوقعة فارغة" أعانته هذه الصورة لأن يستيقظ برفق وبشكل طبيعي وكتب: "كل صورة جيدة، إذا عرفنا 
كيف نستخدمها" فمن المريح بالتأكيد تحييد الأصوات غير الأليفة لجعلها أقل عدائية؛

 تجنب باشلار دائما أن يعطي نفسه اسم الناقد الأدبي لأنه لم يكن يهدف أبدا إلا لمتعة ولذة القراءة
فكرة "تعليق القراءة"، وهو يعني بتعليق القراءة أي أننا عندما نقرأ وصفا لحجرة فإننا نتوقف لنتذكر حجرتنا نحن، يقول: "إذا أردنا أن نقدم للقارئ "قيم الألفة" فعلينا أن ندفعه إلى حالة من تعليق القراءة، لأن القارئ لن يستطيع دخول حالة حلم اليقظة إلا عندما يتوقف عن قراءة ذكرياتي عن حجرتي، وعندما يكون الذي يسترجع ذكرياته شاعرا فإن روح القارئ تزدحم بالأصداء، وتعيش ذلك النوع من الذبذبات التي كما يقول منكوفسكي، "تمنح طاقة البدء للوجود"، وهذا يعني أن قراءة المكان في الأدب تجعل القارئ يتوقف ويضع الكتاب جانبا، يكتب: "إن قيم الألفة تمتلك جاذبية تجعل القارئ يتوقف عن قراءة حجرتك: إنه يرى حجرته مرة أخرى، إنه بعيد عنك الآن يصغي لذكرياته عن أب وجدة، عن أم أو خادم، باختصار عن الإنسان الذي يسيطر على أحب ذكرياته"
لم نتوقع أصلا أن بإمكان أحلامنا التي عايشناها أن تسطر في كلمات

 كيف يمكن أن يتحول الإنسان من عالم إلى شاعر. باشلار "أكثر الشعراء فلسفة والفيلسوف الأكثر شاعرية" هكذا يطلق عليه، فمسيرته كانت مختلفة وغير متوقعة، فقد ظل دائما خارج التصنيف، باشلار (1884 - 1962) الذي درس فلسفة العلوم وقدم أفكارا متميزة في هذا الحقل تحولت عناوين كتبه من "العقل العلمي الجديد، تكوين العقل العلمي، العقلانية والتطبيقية، المادية العقلانية" إلى "جماليات المكان وشاعرية أحلام اليقظة"، من المثير أن القليلين ممن يقرأون كتبه في فلسفة الجمال لا يعرفون شيئا عن الجزء الأول من حياة هذا الرجل الغريب.

Jun 25, 2019
***********************
 الباحث عند تلمس معرفته من بابها الفلسفي لابد أن يولي عقله جهة الغرب. لن أنشغل هنا بمسائل من نوع الاستلاب للغرب والمحافظة على الخصوصية بل سأقفز سريعا إلى أفق التجربة الفلسفية في الغرب، حيث تعمل العقول بشكل مدهش بحياة كاملة لإبداع الجديد من الأسئلة والجديد من محاولات الإجابة بحيث يبدو المشهد الفكري منبثقا دوما ومتفتحا على المزيد المزيد من الآفاق. في وقت انسجنت كثير من العقول هنا في دوائر وهمية منذ زمن سحيق.

من هنا جاء الاهتمام بهذا البحث الهام للدكتور عمر مهيبل الذي كان قد زود المكتبة العربية بعمل جاد بعنوان "من النسق إلى الذات : قراءة في الفكر الغربي المعاصر". وها هو الآن يطرح بين أيدينا عمله الجاد حول إشكالية التواصل في الفلسفة الغربية المعاصرة.

في هذه الحلقة سنهتم بالجزء المخصص في هذا الكتاب للفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار المعروف بفيلسوف القطيعة، الوجه الآخر للاتصال. يقول عمر مهيبل في شرح أسباب اختياره لباشلار بالذات، رغم أن الكثير كانوا يتوقعون دراسة برغسون وهو فيلسوف اتصالي بامتياز، يقول مهيبل "لقد رأينا منهجيا أن البداية كرونولوجيا ومعرفيا إنما تكون من الفيلسوف غاستون باشلار الذي يجسد في تحديدنا المنهجي الوجه الآخر لجدل التواصل وهو اللاتواصل،
باشلار يرى أن المعرفة العلمية الحقة، الموضوعية، إنما تبدأ عندما يستطيع الفكر العلمي قطع صلته بهذه المعرفة الأولية الساذجة قطعا جذريا".

من هو باشلار ؟
بشكل سريع باشلار هو فيلسوف علم ( أبستمولوجي ) يهتم بشكل أساسي بالقيام بتحليل نفسي للمعرفة العلمية، بمعنى أن باشلار يطبق مفاهيم علم النفس على المعرفة العلمية بحكم أنها متأثرة أيضا باللاشعور والكبت وغيرها من الفرضيات النفسية، 
دراسته الثانوية عمل موظفا في البريد حتى سنة 1913حين حصل على الليسانس في الرياضيات والعلوم. ثم عين مدرسا للفيزياء والكيمياء في مدرسة ثانوية ثم حصل على الدكتوراه في الآداب ( قسم الفلسفة ) من السوربون سنة 1927.وفي سنة 1930أصبح أستاذا للفلسفة في جامعة ديجون ثم عين أستاذا لتاريخ العلوم وفلسفتها في قسم الفلسفة بكلية الآداب ( السوربون ) بجامعة باريس واستمر في هذا المنصب إلى وقت تقاعده 1954.وتوفي سنة 1962في باريس.

في ملاحظات أولية يسجلها عمر مهيبل على فلسفة باشلار يصل إلى أن قيمة هذه الفلسفة تتمثل في رفضها لا غير، رفضها للأنساق الفلسفية المثالية والعقلانية ونقدها. إلا أن قراءة باشلار تظهر أن الفلسفة التجريبية البحتة أيضا كانت محلا لنقدها ورفضها، فقد كان في منطقة وسطى بين العقلانية المثالية والتجريبية المثالية أيضا، يسمي باشلار هذه المنطقة ب "العقلانية التطبيقية"

 الأبستمولوجي عند باشلار له مهمة محددة هي عبارة عن التحليل النفسي للمعرفة الموضوعية. تحليل نفسي يكون موضوعه الأساس لا شعور الباحث في مجال العلوم بينما يتمحور هدفه حول اكتشاف جملة العوائق التي تعيق السير الحسن لعملية المعرفة. 
الأنساق الفلسفية القائمة غير قادرة على فهم التفكير العلمي بسبب التعارض بين خصائصها وخصائص التفكير العلمي. تبرز أساسا في كونها، أي الأنساق الفلسفية، أنساق غائية مما يعني انغلاقها فيما لا ينسجم مع غايتها المحددة. فيما يمتاز العلم بانفتاحه على كل الآفاق. كما أن الأنساق الفلسفية تعاني مشكلة لغوية فلغتها عاجزة عن تحديد مقاصد العلماء تحديدا حقيقيا أو أن تبلور رؤية واضحة لمفاهيم العلم.

************************

القطيعة الإبستمولوجية عند غاستون باشلار

القطيعة المعرفية هي عبارة عن قفزات نوعية تحدث في تاريخ العلوم وتحدث القطيعة الإبستمولوجية، عند نشأة علم جديد أو نظرية علمية جديدة قاطعا الصلة مع ما سبقه من علوم ومعارف.
إن القطيعة إعلان عن ميلاد علم جديد غير مرتبط بما قبل تاريخه، ميلاده ولا تعبر القطيعة الباشلارية عن تغيير مفاجئ، إنما المقصود المسار المعقد الذي يتكون في أثنائه نظام لم يعرف من قبل.
إن النظريات العلمية المستجدة في كل عصر، لا يمكن النظر إليها على أنها استمرار النظريات السابقة، فلا يمكن مثلا إرجاع فيزياء إنشتاين إلى فيزياء نيوتن ولا فيزياء نيوتن إلى غاليلي {1564-1642} ومنه إلى أرسطو.
إن كل نظرية علمية مبنية على أسس مخالفة للنظريات السابقة عنها، ومفهوم القطيعة بلغة باشلارية متجادل مع مفهوم العائق، فإذا كانت العوائق سببا في تباطؤ واختلال المعرفة العلمية وجمودها، فإن القطيعة هي الفعل الابستمولوجي الذي تمة به تجاوز هذه العوائق ونشيط الفكر العلمي بعد جموده، ولذلك باشلار في كتابه “جدلية الزمن”، يحث على النظر إلى تاريخ الاكتشافات والإبداعات العلمية وفق منهج إيقاعي RYTHMIQUE على وزن {عائق – قطيعة} ، {خمول – نشاط} فتاريخ العلوم ليس ترابطا زمنياCHRONIQUE على منوال الديمومة البرغسونية، يقول باشلار “إننا حين نفحص شتى تصاميم تسلسل الحياة النفسية ورقة ورقة، نلاحظ الانقطاعات في النتاج النفساني، فإذا كان تمة تواصل وهو غير موجود أبدا في التصميم الذي يجري فيه فحص خاص، مثال ذلك أن التواصل هي فعالية الدوافع الذهنية، لا يكمن في التصميم الذهني، إننا نفترضها في تصميم الأهواء والغرائز والمصالح”[1]
إذن مفهوم القطيعة الإبستمولوجية مفهوما أساسيا عند غاستون باشلار وهو مفهوم يعبر في نظره عن فترات الانتقال الكيفي في تطور العلوم، فبقدر ما تحدث تلك الكيفية بقدر ما تحدث قطيعة إبستمولوجية في الفكر العلمي الجديد والفكر السابق له.
إذن تاريخ العلوم هو تاريخ القطائع الإبستمولوجية، قطائع منهجية على مستوى التصورات وعلى مستوى المناهج، وهي قطائع نابعة من داخل العلم، وتاريخ العلوم من ناحية تاريخية يهتم بتتبع تاريخية إنتاج التصورات العلمية، فكل علم له سيرورته الخاصة.
يمر العلم بمراحل يعرف فيها تارة تباطؤات نتيجة العوائق، وأحيانا أخرى نوعا من التسارع بسبب حدوث قطيعة بين مرحلة وأخرى، ولذلك هاجم باشلار مؤرخي العلوم الذين قدموا العلم كرواية متسلسلة مليئة بالمغامرات.
إن أصحاب النظرية الاتصالية يرون بأن التاريخ، حوادثه متسلسلة نتيجة اتصال الزمان، فكل مرحلة تؤثر فيما يتلوها من مراحل، فالمعرفة العلمية عند هؤلاء مجرد امتداد للمعرفة العامية، ويمكنني بهذا الصدد أن أعرض عليكم السجال بين الرأي الإتصالي وفيلسوف القطيعة باشلار في الأدلة التالية:
  • تاريخ العلوم
أنطلق من سؤال، هل الماضي دليل على تقدم الحاضر أم الحاضر دليل على تطور العلم؟
الإتصاليون يقولون باستمرارية التاريخ، فلكل حدث تاريخي له جدور وأصل أول والمعرفة العلمية لم تنشأ إلا ببطيء، فالعلم ولد تدريجيا من رحم المعارف العامية وأطروحتهم تتلخص في العبارة التالية : “فما دامت البدايات بطيئة فالتطور مستمر”[2]
“ومن أبرز الفلاسفة الممثلين للنزعة الاستمرارية، ندكر الإبستمولوجية الكونتية التي تعتبر بأن الفكر مر بمراحل متصلة من اللاهوتية إلى الميتافيزيقية إلى المرحلة الوضعية، وإميل ميرسون الذي يعتقد بأن دور العالم هو وضع نظرية تفسير الظواهر الطبيعية بأسبابها الحقيقية، فكل ظاهرة هي نتيجة لظاهرة سابقة، {الفكر التلقائي قريب من الفكر العلمي}، وآخرون مثل برغسون…إلخ.”[3]
وبالتالي ما نلاحظه مع هؤلاء أن العقل الإنساني يظل هو ذاته عبر كل مراحل تاريخ الفكر العامي استمرارا للفكر العلمي المعاصر واستمرارا للفكر العلمي السابق له.
أما باشلار فهو يقول: “إن في تاريخ العلوم قفزات كيفية ينتقل بفضلها إلى نظريات جديدة، لا يمكن النظر إليها على أنها مجرد استمرار للفكر السابق، فبقدر ما تتحقق تلك القفزات الكيفية، بقدر ما تتحقق قطيعة ابستمولوجية بين الفكر العلمي والمعرفة العامية”.[4]
ومن هنا يتضح لنا، أن باشلار يصر على أنه لا يوجد هناك تواصل بين الماضي والعلم الراهن، فالجديد لا يؤكد حضوره إلا بتجاوزه للقديم، ويصنف باشلار مفهوم القطيعة الإيبستمولوجية إلى مستويين:
المستوى الأول: تكون فيه القطيعة بين المعرفة العامية والمعرفة العلمية.
المستوى الثاني: تكون فيه القطيعة بين النظريات العلمية الجديدة والنظريات العلمية السابقة عنها.
يرفض باشلار النظرة الاستمرارية في تطور النظريات العلمية، والتي ترى بأنه يجب البحث عن أصول كل نظرية علمية في الماضي السحيق لتطور العلم الطبيعي، وتؤكد الاستمرارية على هذا المستوى بأن التفكير العلمي بدأ بسيطا، متعثرا، بطيئا في تقدمه، ثم بعد ذلك عرف تغيرات سريعة.
فهذا الطرح يعارضه كليا باشلار في حديثه عن تاريخ العلوم الذي يتميز في نظره “بأهم صفة وهي الانقطاعات المتكررة التي تشهدها نظرياته، لأنه يريد أن يبين بأنه في تاريخ العلوم هناك قفزات تجعل العلم يبدع نظريات جديدة، لأن الجديد لا يؤكد حضوره إلا بتجاوز القديم، فليس هناك تواصل بين الماضي والعلم الراهن”.[5]
كما أن الاختلاف يكمن أيضا في الموضوع المدروس، “فالموضوع الذي يدرسه العلم المعاصر يختلف عن الموضوع المدروس في العلم الكلاسيكي، فموضوع العلم المعاصر ليس المعطى الحسي فحسب بل يكون موضوعا للفكر في حد ذاته وذلك ما نلمسه في الأبحاث الجديدة التي دشنها الميكرو فيزياء، ففي سياق الفكر الأشد تآلفا وتماسكا لا يمكننا الانتقال من جوهر إلى آخر بواسطة فكر متواصل”،[6] وبوجه أعم، كيف لا يمكن رؤية أي تمايز في المظهر وفي الهيئة هو علامة انقطاعات مطلقة؟
هذا يعني أن الموضوع يثم بناؤه من جديد دون أي اعتبارات واقعية، بهذا المعنى تعد ابستمولوجية باشلار نموذجا جديدا، حيث يوظف مفهوم القطيعة في لحظات مختلفة لتطور العلم، وطرحت سؤال بهذا الصدد، أين أصبحت الإبستمولوجية الباشلارية تتحدث عن مفاهيم لا استمرارية؟
يرى باشلار أن العلم لا يقوم على منهج واحد، بل هو دائم البحث عن مناهج جديدة فتقدمه مرهون بمدى قوة المنهج المستخدم، يكون تقدمه مرهون باستحداثه لطرق جديدة. هذه المناهج يكون بوسعها دائما مواكبة مستجدات الحقل المعرفي والعلمي ومواجهة الصعوبات التي قد يصطدم بها العقل، “لأن العقل العلمي دائم البحث عن الجديد، ولا يمكننا أن نمتلك خاصية العقل العلمي، طالما غير متأكدين في كل لحظات الحياة الفكرية من إعادة بناء معرفتها بكاملها”.[7]
يقول باشلار: “المرحلة المعاصرة فهي بالتحديد تستنفذ القطع بين المعرفة العامية والمعرفة العلمية، بين التجربة العامية والتقنية العلمية، وهنا يوجه نقده للفيلسوف، بالقول، الفيلسوف لا يذهب بعيدا ويرى ليس من المهم معايشة العلم الحالي الذي يعرف انفجارات أي ثورات من كل جانب والتي فجرت الإيبستمولوجية التقليدية”[8]
كما يرى باشلار أن الإيبستمولوجي، إن لم يتمكن من مسايرة الكشوف العلمية المعاصرة لا يستطيع فهم تطور المعرفة العلمية، فالعلم المعاصر قطع صلته تماما بالمعرفة على الصعيدين النظري والتطبيقي، ولذلك يلح باشلار على معاصرة العلم لوعي تاريخه فحاضر العلم دليل على تقدمه عن الماضي. إن مؤرخ العلوم عليه أن يقوم بحركة تراجعية ليدرك القطائع الحاصلة في المعرفة العلمية.
فالثقافة العلمية إن سادت لمدة من الزمن، لابد من أن تهدم العلم الذي مثله الماضي، لأن العلم في مبدئه يعارض الرأي العامي الساذج والسطحي فهي معرفة سيئة التفكير تترجم الحاجات إلى معارف وتنظر إلى الظواهر بطريقة نفعية، واعتقاد الفكر العامي امتلاكه للمعرفة فإن هذه الوثوقية تمنع من التعرف. لا يمكن تأسيس أي شيء لذا يجب تخريبه، إن الرأي الأول عائق يجب تذليله.
وهنا سأقف وقفة بشكل سريع على فلسفة العلم عند باشلار، وأبرز الانتقادات التي توجه بها إليها:
– عاب باشلار على نظريات المعرفة التقليدية استغلالها الإيديولوجي للعلم لأنها وظفت نتائج العلم لخدمة الفلسفات التي تقوم عليها، إن مثل هذه الفلسفات المغلقة على نفسها لا تستطيع متابعة التطورات العلمية المعاصرة، ويقول باشلار، “عندما ندرس المسالك المتعددة التي يسير عليها التقدم الرياضي للميكانيكا الموجية {…} سرعان ما نتأكد من قصر النظر الفلسفات التقليدية”[9]
فاستخدام المذاهب الفلسفية  في ميادين بعيدة عن أصلها الروحي، عملية دقيقة ومهمة، إذا ما راعت خصوصية العلم لكنها مخيبة للآمال في أغلب الأحوال، “لأن هذه الأنساق حيث تفكر في العلم بطريقة فلسفية ميتافيزيقية، تبقى جامدة وعقيمة ولا تستطيع مواكبة حركية المعرفة العلمية، وإذا فسرنا العلم بمبادئ الفلسفة وتأملات ميتافيزيقية نجد أنفسنا أمام ضرورة تطبيق فلسفة غائية ومغلقة على فكر علمي متفتح”.[10]
إن مثل هذا التوظيف يغضب العلماء والفلاسفة والمؤرخين، لأن العلماء يرفضون إدخال الفكر الميتافيزيقي في منظومتهم العلمية ولا يعتبرون إلا بما تقدمه التجربة المخبرية، إن كانوا في مجال العلوم التجريبية وبالبرهنة العقلية إن كانوا في العلوم الرياضية، في حين يصر الفلاسفة على تناسق الفكر البشري ووحدته وشموليته. ولذلك يطرح الفيلسوف دائما اشكالية المعرفة بمقتضى هذه الوحدة، فهو ينتقي من العلم النتائج التي تلائم مذهبه الفكري.
ما يمكن قوله في الأخير، أن استعمال مفهوم “القطيعة الإبستمولوجية” من قبل غاستون باشلار، لأنه لم يكن بإمكانه أن يتقبل التاريخ العلمي على أنه مجرد تكديس للمعلومات، مؤكدا على دور الثورات العلمية، في تحقيق قفزات نوعية يثم الانتقال بفضلها إلى نظريات جديدة لا يمكن أبدا اعتبارها استمرارا لنظريات سابقة عليها.
[1] باشلار غاستون، جدلية الزمن، ترجمة خليل أحمد خليل، ديوان المطبوعات الجامعية، الطبعة الجزائر 1983 ص 8
[2] BACHELARD GASTON, MATERIALISME RATIONNEL P.U.F. PARIS 1963 P 210
[3]  فؤاد كامل وآخرون ..الموسوعة الفلسفية المختصرة، دار القلم د-ط، د-ن ص 116 /محمد وقيدي، فلسفة المعرفة عند باشلار ص 82
[4] بوعزة ساهل، أوراق باشلارية، دار القرويين الدار البيضاء ص 1، 2001 ص9 ص 33
[5]  مدخل إلى فلسفة العلوم، ترجمة خليل أحمد خليل، دار الطليعة لبنان ط 1، 1988 ص 76
[6] غاستون باشلار “جدلية الزمن” ترجمة خليل أحمد خليل المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع لبنان ط 3 1992 ص 38
[7]  غاستون باشلار، تكوين العقل العلمي، ص 09 ترجمة خليل أحمد خليل المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع بيروت ص 198
[8] BACHELARD. G MATERIALISME RATIONNELLE, OP CIT. P 210
[9]  محمد وقيدي: ما هي الإيبستمولوجيا ص 23 مكتبة المعارف للنشر بيروت ط 2 1987
[10]  غاستون باشلار، فلسفة الرفض، ترجمة د خليل أحمد خليل، دار الحداثة بيروت ط1 1985 ص 5

*************************
صدر حديثاً كتاب بعنوان "القطيعة الابستمولوجية: رحلة مفهوم بين العلم والثقافة"، لمحمد مستقيم.
يهدف هذا المصنف إلى تقديم مجموعة من المفاهيم الابستمولوجية باعتبارها أدوات وظيفية تكون قابلة للاستنبات في تربة الثقافة العربية المعاصرة،
إن العقل العربي اليوم في حاجة إلى جهاز مفاهيمي ابستمولوجي نقدي لإعادة النظر في كثير من القضايا الفكرية والسياسية والاجتماعية والأخلاقية وعلى رأسها قضايا التراث، وكيفية التعامل معها من منطلق عصري يستحضر المنجزات المعرفية والعلمية للثقافة الإنسانية والفكر العالمي. إن التأخر التاريخي الذي تحدث عنه مفكرو النهضة في الثقافة العربية المعاصرة لا زال ممتدا إلى اليوم، في حين يعرف العالم تطورا كبيرا على كافة المستويات كان من نتائجها ظهور الثورة الرقمية التي غيرت وجه العالم وفرضت علينا الانخراط في مسار العولمة

نحن في حاجة إلى مكتسبات المعرفة العلمية الحديثة من أجل تحديث العقل العربي، وليس هناك من سيقوم بهذه العملية غير الفاعلين ضمن هذه الثقافة والمشتغلين في مجالات الفكر والنقد. من جهة أخرى، فالدرس الأكاديمي العربي اليوم في حاجة كذلك إلى تحديث آليات اشتغاله عبر إدماج المفاهيم الابستمولوجية في البرامج التكوينية والبحث العلمي، لأن غياب التفكير النقدي جعل المؤسسات الجامعية عند العرب تعمل على تخريج أطر "علمية" تفكر بطريقة تقليدية لا فرق بينها وبين من يتخرج من كليات الشريعة وأصول الدين.

إذا كان تاريخ الفكر الابستمولوجي هو تاريخ النظريات التي تفسر حركية العلم وتطوره عبر مختلف الأزمان والعصور، فإن المفاهيم هي أدوات إجرائية يتم استعمالها من أجل قراءة تلك المسارات التي طبعت هذا الصنف من التفكير الإنساني. بالإضافة إلى ذلك، فإن تعدد المفاهيم والنظريات التي تفسر الظواهر الطبيعية وغير الطبيعية، يكشف أن بنية العقل البشري ليست بنية ثابتة مكونة من بديهيات ومبادئ مطلقة ونهائية، بل هي سلسلة من التطورات النوعية التي تقود العلم إلى التطور المستمر. وقد ركزنا في القسم الأول من هذا الكتاب على عينة من المفاهيم التي نرى أنها تشير بالفعل إلى تلك التحولات والثورات بل والقطيعات التي حدثت في فترات تاريخية معينة. وهي مفاهيم تبقى نماذج ممثلة فقط، كما أشرنا إلى ذلك، دون أن تختزل باقي المفاهيم الأخرى. كما أن هذه المفاهيم لا تعكس فقط العلاقة التي تربط العلم بالفلسفة، بل تربط المعرفة العلمية بمجالات فكرية وثقافية وتاريخية، خصوصا تلك المفاهيم الرحالة التي تخترق الأقاليم المعرفية والمجالات التداولية التي نشأت فيها لتعبر نحو آفاق معرفية جديدة ومختلفة عن الأولى. وهذا ما جعلنا نخصص القسم الثاني من الكتاب لكيفية تمثل وتطبيق مفهوم القطيعة الابستمولوجية عند ثلاثة أعلام من الفكر العربي المعاصر، وهم عبد الله العروي ومحمد عابد الجابري ومحمد أركون.

الثلاثاء، 5 ديسمبر 2023

الثروة واللذة والسلطة، ولا يلتفت إلى سمو الروح ونبل الأخلاق، وفيوضات المحبة

 «يتحتم علينا، كما يقول أرسطو، أن نحشر في زمرة التعساء أولئك الذين يجعلون لاكتساب الثروة أهمية تفوق العناية بطباعهم وأخلاقهم». 

الجمعة، 1 ديسمبر 2023

بضاعتنا رُدّت الينا . الليبرالية «في أحوالنا وأحوال سوانا»

خروج من الانتماءات الضيقة الليبرالية سبيلا لتجاوز الفوات الحضاري العربي 

 علوم الغرب وتقدّمه ونهضته ذات أصول في حضارتنا العربية. وأنّ ما يتحدّانا به من إنجازات علمية وثقافية إنما هو "بضاعتنا رُدّت الينا" وهي المقولة المتوارثة من رفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي وفرنسيس المراش ورشيد رضا الى راشد الغنوشي ومحمد عابد الجابري وحسنين توفيق ابراهيم وسواهم.

 هذا الإدعاء الذي يبلسم "وعينا الشقي" يتجاوز حقيقة أنّ الحداثة شكّلت فضاءً جديداً بالفعل، بما أرسته من قيم وتصورات غير مسبوقة بصدد الإنسان وموقعه في الكون، والعقل الإنساني ومرجعيته المطلقة، والسلطة وشرعيتها، ما أسّس لمفاهيم الفرد والحرية الفردية والعقد الإجتماعي والمجتمع المدني.

 "لماذا تأخّر العرب وتقدّم الآخرون؟

العرب لم يعرفوا إلاّ حداثة معطوبة مستوردة لم يشاركوا في إنتاجها أو صنعها.

فهل كانت ثورة الغرب الحداثية نتيجة لأفكار هوبز ولوك وروسو ومونتيسكيو، أم أنّ مجتمعات الغرب بديناميتها الإجتماعية والسياسية والثقافية هي التي أنتجت مثقفين مثل هوبز ولوك وروسو ومونتيسكيو، وأفكاراً مثل العقد الإجتماعي، ودولة الحق، والحرّية السياسية والإجتماعية؟

*

يستعيد المفكر السياسي حازم صاغيّة في كتابه «في أحوالنا وأحوال سوانا» (دار الساقي 2003) هذه الإشكالية، من موقع التشديد على الدور الذاتي، وأول هذا الدور «يطال مكافحتنا نظامَ القرابة الموسع - طائفية، إثنية.. مما كافحه غيرنا ممن تقدموا»

 عام 1902 اندلعَ السجالُ بين محمد عبده وفرح أنطون حول الدين والحرية والعِلم والعَلمَنة، وفي عام 1925 دعا علي عبد الرازق في «الإسلام وأصول الحُكم» إلى فصل الدين عن الدولة، وفي عام 1926 كَتَبَ طه حسين «في الشعر الجاهلي»، وفي عام 1937 وَضَعَ إسماعيل أدهم رسالته «لماذا أنا ملحد؟».

في النصف الثاني من القرن التاسع عشر أنشئت دار الكُتب المصرية وصَدرت صحفٌ ومجلاتٌ مثل «الأهرام» و«المُقتطف» و«المقطم» في مصر، و«حديقة الأخبار» و«نفير سورية» في لبنان، وفي هذه الحقبة أيضاً، تعرَف العالَمُ العربي إلى المسرح والفن الروائي والسينما، وذلك كله كان على صلةٍ بالغرب والثقافة الغربية التي تأثر بأفكارها ومبادئها رواد نهضتنا الحديثة، من رفاعة الطهطاوي وبطرس البستاني إلى جرجي زيدان وطه حسين، مرورًا بجبران خليل جبران، وأمين الريحاني، ومن دون أن يذهب هؤلاء إلى ادعاء التبعية الكاملة للغرب أو أبوته لنا.

نشأة الإخوان المسلمين في عام 1928، ونكبة فلسطين في عام 1948، وانقلاب جمال عبد الناصر في عام 1952، ليحل محلها الالتحاق بالسرديات الشعبوية والاتجاه إلى عسكرة الثقافة.

راجت نظريات المنظر الشيوعي الايطالي أنطونيو غرامشي في «المثقف العضوي» حيث خَنَقَ العضوي الثقافي وقيده بمهماتٍ يصعب ردها إلى الثقافة، في حين لم يكن الالتزام هو قضية المثقف، بل الديمقراطية التي أساسها الحريات العامة، وقد انتهت تجارب مثقفينا العضويين، حتى مع أحزابهم وقياداتهم، إلى المهانة والأذى الذي بَلَغَ حد القتل، وفيما نزل بفرج الله الحلو، ورئيف خوري وصلاح الدين البيطار، وعبدالخالق السمرائي، وسواهم أدلة ساطعة على المآل البائس للمثقف العضوي والثقافة على السواء، فقد أسفر ذوبان الثقافة في السياسة عن ضمورِ الإبداع الثقافي، وتراجُعِ الدور المركزي للمثقفين في الدفاع عن الحرية.

 نظريةَ ابن خلدون في «العصبية» لما تتميز به من راهنيةٍ لفَهْمِ مُجتمعاتنا العربية، فما يُعانيه العالَمُ العربي من تفكُّكٍ وأزماتٍ وصراعاتٍ يَجِدُ تفسيرَه في سياساتِ العصبية، إذ إن «الأوطان الكثيرة القبائل والعصائب قل أن تَستحكم فيها دولة» على ما رأى ابن خلدون.

 اليمن ولبنان وليبيا والعراق وفلسطين، وغيرها لانتفاء غلبة عصبية «أقوى من سائر العصائب ليقع الغلب منها وتتم الرئاسة لأهلها».

الإصلاحُ الديني الذي دشَّن عصرًا جديدًا في الغرب، فلا يعوِّل المؤلف على إصلاحٍ مُشابهٍ له مُمكن في الإسلام في الظرف العربي الراهن لافتقاره إلى حاملٍ اجتماعي يرتكز عليه، على عكس الإصلاح الأوروبي الذي جاء جزءًا من عملية تاريخية عريضة وسَّعت نِطاق الحرية والفردية، وفي مقابل الصعود الشامل الذي أحاط بالإصلاح الأوروبي، يغمرنا في العالم العربي اليوم محيط من التراجع والتبديد يتسع بإيقاعٍ يومي، حتى إن ما كان مُتاحًا مع محمد عبده ثم تلاميذه يبقى على تواضعه أكبر بلا قياس مما هو مُتاح اليوم.

ترافَقَ هذا التراجع مع تدميرِ مُدنٍ ثلاث من مُدن المشرق العربي هي من أهم مدنه وأعظمها الموصل في عام 2014، وحلب في عام 2016، ثم بيروت في عام 2020،

 تفضيل بل تبني الليبرالية مقابل الإيديولوجيات القومية والماركسية والإسلامية، فالليبرالية أساسها الأول الاعتقاد بأن الحرية هي القيمة السياسية الأولى، وأن الفرد يتقدم على الجماعة وبقيمة قائمة بذاتها، وبكرامة وفرادة إنسانيتَين، وأنه وحده صاحب القرارات التي تتعلق بحياته؛ ولذلك فإن قرارات الأفراد التي لا تنبع من دينٍ أو تقليدٍ موروث أو عواطف، هي وحدها القرارات العقلانية، فالمعرفة من منظورٍ ليبرالي ليست نصًا مقدسًا أو شبه مقدس، بل هي التفحص العلمي والنقدي الحر والمتواصل.