الأربعاء، 10 نوفمبر 2021

التطبيع وقضية العرب الأولى! *************

Aug 13, 2020

 لا جدل في أن قضية فلسطين لم تعد “قضية العرب الأولى”. وإذا ما تأملنا هذا الواقع عميقا قد نكتشف أنها لم تكن يوما الأولى، وإن كانت الحروب التي ارتبطت بها شكّلت حتى عام 1973 همّا عربيا جماعيا لا لُبس فيه.

دولة الإمارات وإسرائيل خلال الأسابيع المقبلة لتوقيع اتفاقيات ثنائية تتعلق بقطاعات الاستثمار والسياحة والرحلات الجوية المباشرة والأمن والاتصالات والتكنولوجيا والطاقة والرعاية الصحية والثقافة والبيئة وإنشاء سفارات متبادلة وغيرها من المجالات ذات الفائدة المشتركة
علاقات مباشرة بين اثنين من أكبر القوى الاقتصادية في الشرق الأوسط، من شأنه أن يؤدي إلى النهوض بالمنطقة من خلال تحفيز النمو الاقتصادي، وتعزيز الابتكار التكنولوجي، وتوثيق العلاقات بين الشعوب».

نتيجة لهذا الانفراج الدبلوماسي وبناء على طلب الرئيس ترامب وبدعم من دولة الإمارات، ستتوقف إسرائيل عن خطة ضم أراض فلسطينية وفقًا لخطة ترامب للسلام، وتركز جهودها الآن على توطيد العلاقات مع الدول الأخرى في العالم العربي والإسلامي. وإذ تؤمن كل من الولايات المتحدة ودولة الإمارات وإسرائيل بإمكانية تحقيق إنجازات دبلوماسية إضافية مع الدول الأخرى، فإنها ستعمل معًا لتحقيق هذا الهدف

ستقوم الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل على الفور بتعزيز التعاون وتسريعه فيما يتعلق بمعالجة وتطوير لقاح لفيروس كورونا المستجد. ومن خلال العمل معًا، وستساعد هذه الجهود في إنقاذ حياة الجميع بصرف النظر عن ديانتهم في جميع أنحاء المنطقة

وقد أثنت كل من الولايات المتحدة وإسرائيل على مشاركة الإمارات العربية المتحدة في حفل الاستقبال الذي أقيم بالبيت الأبيض في 28 يناير الماضي، حين قدم الرئيس ترامب خطته للسلام، وأعربا عن تقديرهما للتصريحات الداعمة التي أدلت بها الإمارات العربية المتحدة.

وبحسب خطة السلام، يجوز لجميع المسلمين أن يأتوا لزيارة المسجد الأقصى والصلاة فيه، وينبغي أن تظل الأماكن المقدسة الأخرى في القدس مفتوحة أمام المصلين من جميع الأديان.

في الختام، أعرب الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ورئيس الوزراء الإسرائيلي عن تقديرهما العميق للرئيس ترامب على تفانيه لإحلال السلام في المنطقة، وعلى النهج العملي الفريد الذي اتخذه لتحقيقه.

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بيانًا مفاجئًا عن تطبيع كامل للعلاقات بين الإمارات وإسرائيل.

وقال ترامب، على حسابه الرسمي بـ«تويتر»: «حدث ضخم اليوم! اتفاقية سلام تاريخية بين صديقينا العظيمين، إسرائيل والإمارات العربية المتحدة».

​وأضاف ترامب في بيان أن «ممثلون من إسرائيل والإمارات سيلتقون خلال الأسابيع القادمة لتوقيع اتفاقيات شراكة في مجالات الاستثمار والسياحة والطيران المباشر والأمن».

 السعودية والبحرين ستكونان في صف التطبيع في المستقبل القريب، لتعزيز الموقف الحاصل. حيث ان الامارات، وفقا لتعبير ترامب، كسرت جليد إقامة العلاقات مع الكيان الاسرائيلي لتكون السباقة في تسبيب النكسة الأكثر مرارة عبر القرن الاخير من تاريخ العالم الاسلامي، وبالتالي سيحين قريبا دور الآخرين كي لاتفوتهم قافلة التطبيع. فمنذ اشهر كشف مسؤول مقرب من ولي العهد السعودي ان محمد بن سلمان نبه محمود عباس أن أحداثاً مماثلة لما رأيناه اليوم ستقع قريبا.

سر الاتفاق الإماراتي مع إسرائيل

أوقفوا الاستيطان، نبدأ في علاقات طبيعية

 لغة المصالح التي تفهمها إسرائيل، ويفهمها العالم: «ماذا ستعطيني مقابل ما أعطيك؟».

الدولة الشيخ زايد آل نهيان، رحمه الله. وهذا الكلام ليس شعراً أو نثراً، لكنه ركيزة أساسية في فهم عقلية «أبناء زايد وأبناء أبنائه»، ويعتمد جوهر الحكم على «استخدام أكبر قدر من الحكمة لتحقيق أكبر قدر من القوة، لإسعاد أكبر قدر من الناس، لخدمة أكبر قدر من المصالح الوطنية».

 3 قوى هي:

أ- إسرائيل، قوة نووية في المنطقة، صاحبة القوة العسكرية رقم ١٨ في العالم، إجمالي ناتجها القومي يبلغ ٣٧٠ مليار دولار وترتيبه ٣٨، متوسط دخل الفرد فيها 37 ألف دولار سنوياً، ودولة لها تأثير بالغ على مجريات تشكيل السياسة العالمية من خلال اللوبي اليهودي - الصهيوني العالمي، وقوة نفاذ غير تقليدية في المؤسسات الأمريكية المؤثرة في صناعة القرار.

إسرائيل هذه مؤثرة في «وول استريت» و«ناسداك» وفي كبريات شركات الاتصالات والتكنولوجيا الرقمية وأقمار التجسس والصناعات العسكرية الذكية.

ب- الطرف الثاني، دولة الإمارات المتحدة، وهي دولة شابة من قرابة عشرة ملايين نسمة، يبلغ إجمالي الناتج القومي لدولة الإمارات 732 مليار دولار، وترتيبها الحادي والثلاثون في مؤشر الناتج القومي العالمي، متوسط دخل الفرد فيها 70 ألف دولار أمريكي سنوياً، وتحتل بذلك المركز السابع عالمياً في مداخيل الأفراد، وتتحدث التقارير العالمية عن أن إجمالي رصيد الصندوق السيادي الإماراتي يتراوح ما بين 700 و750 مليار دولار.

تعتبر «أبوظبي» عاصمة اقتصادية مؤثرة تجتذب ربع الاستثمارات المباشرة في المنطقة، وتأتي «دبي» كي تكون المقصد السياحي الأول أو الثاني عالمياً خلال السنوات العشر الأخيرة.

تمكنت الإمارات من إطلاق رائد فضاء إماراتي، ويوجد الآن في فلك فضاء المريخ «مسبار الأمل» الإماراتي الذي تم تصميمه وتصنيعه إماراتياً بالتعاون مع شركة ميتسوبيشي العالمية.

تضم الإمارات متحف «اللوفر»، وهو أول متحف للوفر خارج فرنسا، وجامعة السوربون، وواحدة من أهم كليات «الروبوتات» في العالم.

وللإمارات جيش مؤثر وفعال في تدريبه وتسليحه، وهو صاحب أكبر عدد من المقاتلات الأمريكية القاذفة في المنطقة.

وتحتل الإمارات الترتيب رقم ١٢ عالمياً في إنتاج النفط، ولديها مخزون واعد من الغاز الطبيعي.

ج- الطرف الثالث، الولايات المتحدة الأمريكية، ويكفي أن نقول إنها الدولة الأكبر والأكثر تأثيراً في القوى الاقتصادية والعسكرية والسياسية في العالم، وعملتها، أي الدولار، تمثل قرابة ثلثي الكتلة النقدية في العالم.

الولايات المتحدة هذه، ذات العلاقة الخاصة جداً مع إسرائيل والأكثر تأثيراً وارتباطاً بها، هي الضامن لصيغة ومعادلة: «تجميد الاستيطان مقابل بدء علاقات طبيعية».

من هنا تصبح «ضربة معلم» من قبَل الشيخ محمد بن زايد ومؤسسة الدبلوماسية الإماراتية أن يكون توقيت إنجاز هذا الاتفاق الثلاثي الآن.

دائماً يقال في علم التفاوض إن أفضل الأوقات للحصول على أفضل النتائج من أي مفاوضات هو حينما يكون الطرف الثاني أكثر حاجة منك للاتفاق.

«نتنياهو» يعاني من أزمته الداخلية، وهو غير قادر على تطبيق صفقة الآن أو إلغائها، و«ترامب» يعاني من مثلث الكورونا، تدهور الاقتصاد، غضب الأقليات وتظاهراتهم.

إذاً هذا هو الوقت الأفضل للحصول على اتفاق لصالح الفلسطينيين.

*

التطبيع مع إسرائيل ما له وما عليه

ليس أمام العرب من خيار آخر غير التطبيع وإقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل، فقد جربوا الحروب وخسروها، وجربوا معاداة إسرائيل ولم يكسبوا شيئًا، وحاولوا الصلح معها بشروطهم ففشلوا، وانتهى بهم المطاف إلى محاولة تجربة ما لم تحققه الحروب، بمحاولة تحقيقه عبر السلام، بدلاً من أن (ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة) وهو كلام خدّر العرب والفلسطينيين، وجعلهم لا يقبضون إلا المزيد من الفشل والضياع بسبب تعنت إسرائيل، وعدم اعتراف العرب بها، ما أثار تخوفها.

أنا مع بعض القادة الفلسطينيين من أن القضية الفلسطينية هي قضيتهم، ولا شأن للعرب بها، وأنهم «الفلسطينيون» مسؤولون عن إقامة دولتهم على كامل التراب الفلسطيني بالكفاح المسلح، وهو ما يعطي الحق للعرب في التطبيع وإقامة علاقات كاملة مع إسرائيل، لكون الفلسطينيين قد تكفلوا باسترداد حقوقهم المشروعة في إقامة دولتهم وعاصمتها القدس الشريف، دون حاجة إلى العرب الذين طبعوا علاقاتهم مع إسرائيل، لكني لست معهم في اعتراضهم على اعتراف أي دولة عربية بإسرائيل، لأن مثل هذا الاعتراف لا يحول دون المطالبة بتحقيق حقوقهم، ولا يقوض قدرات يملكونها لإجبار إسرائيل على التنازل عن أراض هي لهم بموجب قرارات الشرعية الدولية.

بل إن مثل هذه الاعترافات العربية بإسرائيل ربما ساعدت في إقناع إسرائيل بالتجاوب مع بعض مطالب الفلسطينيين، وبغير ذلك فإن تجربة سبعين عامًا من معادة إسرائيل لا توحي بأن المستقبل سيكون أفضل حالاً مما كان، فالخلافات الفلسطينية - الفلسطينية، ومثلها العربية - العربية، مع تنامي القوة العسكرية الإسرائيلية الضاربة، ودعم القوى الكبرى لها، مؤشرات من الحكمة أن تكون حاضرة في أي قرار عربي أو فلسطيني، وأن تكون هناك استراتيجيات جديدة، وآليات عمل أخرى، وتفاهمات مع إسرائيل غير التي كانت، وصولاً إلى تحقق مكاسب لن يكون بمقدور الفلسطينيين أن يصلوا إليها دون إقامة علاقة سلام عربية مع إسرائيل.

لقد اعترفت مملكة البحرين وقبلها دولة الإمارات ومصر والأردن والسلطة الفلسطينية نفسها بإسرائيل، وهو إجراء سيادي خاص بكل دولة ولا يحق للفلسطينيين، أو المتاجرين بالقضية الفلسطينية من الفلسطينيين وغير الفلسطينيين أن يعترضوا عليه، خاصة وأنه لم يتم التوصل إليه من فراغ، أو من عدم دراية بما سيؤول إليه من نتائج، وإنما تم اتخاذه بعد دراسة وتمحيص وقراءة لسبعين عامًا مضت من التجارب المريرة التي أضعنا خلالها أراضي مصرية وأردنية تم استعادتها من خلال الصلح مع إسرائيل، وبقيت الأراضي السورية المحتلة جزءًا من الدولة الإسرائيلية لعدم إقدام سوريا على التعامل مع إسرائيل بالمثل.

استغرب أن يعترض الفلسطينيون على أي اعتراف عربي، وهم السباقون في الاعتراف بإسرائيل، واستغرب أن يحشر الرئيس التركي أردوغان أنفه بهذا التصالح الإماراتي ثم البحريني مع إسرائيل ويعترض عليه، ودولته تعترف منذ عقود بإسرائيل، ولها تمثيل دبلوماسي معها، وتعاون مفتوح في كل المجالات، واستغرب أكثر من تلك البذاءات ونكران الجميل الذي طغى على تصريحات وردود فعل بعض القادة والمنظمات الفلسطينية إثر اعتراف الإمارات والبحرين بإسرائيل.

ستهدأ العاصفة قريباً، ويعود الفلسطينيون إلى رشدهم، ويقبلوا ويتقبلوا اعتراف الدول العربية بإسرائيل، حتى وإن لم تهدأ حالة المتاجرة بالقضية الفلسطينية لدى البعض من الفلسطينيين والعرب، لكن بعد أن يكون الفلسطينيون قد أفسدوا المزاج العربي - الخليجي تحديدًا - الذين ظلوا الداعم الأكبر ماليًا وسياسيًا للقضية الفلسطينية، ما لا ينكره إلا من يكون على شاكلة من ظهروا في قناة الجزيرة من قادة فلسطين، أو من إعلام عربي وفلسطيني هم عملاء وأجراء لمن يدفع.

هناك دول عربية أخرى يُتوقع أن تحذو حذو الإمارات والبحرين في الاعتراف بإسرائيل، ومثل هذه الاعترافات لا تسقط حق الفلسطينيين في إقامة دولتهم وعاصمتها القدس، وليس في بيانات البحرين أو الإمارات ما يشير إلى إسقاط حق الفلسطينيين الثابت في إقامة دولتهم، وإنما هناك دعوة من الدولتين إلى السلام الذي لا يغفل الحق الفلسطيني في أي معادلة مستقبلية لمعالجة أوضاعهم، بل إنه يمهد الطريق لذلك.

*May 12, 2021

صناعة المواطن الصالح.. كيف مرَّت اتفاقية التطبيع في الإمارات دون أي معارضة؟


انتقالا إلى الإمارات العربية المتحدة خاصة، تكشف أستاذة العلوم السياسية كالفريت جونز في كتباها: "من بدو إلى برجوازيين.. إعادة تشكيل المواطنين في زمن العولمة"، عن التغيُّر الذي طرأ عقِب تدفُّق الثروة النفطية على الإمارة، وذلك بسبب سياسة توزيع الثروة، التي أوجدت وظائف مضمونة للمواطنين، ما أدَّى إلى ظهور ما يُعرف بـ "الذهنية الريعية"، التي تسبَّبت بالتبعية في خفوت الفاعلية السياسية.

في كتابها، الذي يُعَدُّ إسهاما مهما في أدبيات الهندسة الاجتماعية (Social Engineering)، وصفت "جونز" الإمارات باعتبارها دولة "بطريركية جديدة"(*)، تجد لديها الدوافع اللازمة لتغيير أفكار مواطنيها من أجل مصلحة أصحاب السلطة، وذلك عبر "الاستفادة من الشعور الوطني بالانتماء إلى الإمارات العربية المتحدة، وهو ما من شأنه أن يكبح الآراء والنوازع الذاتية". أشارت جونز في موضع آخر، وتحديدا في مقال لها على واشنطن بوست، إلى أن "تجربة غرس حبّ الوطن والاعتزاز به والاعتداد بالنفس وبناء الثقة في الشباب والإشادة المُفرطة بهم التي طُبِّقت في الإمارات، أسفرت عن تعزيز الشعور بالتميُّز لديهم وبأنهم أهل لرعاية الحكومة عبر توفيرها الوظائف لهم"، وبذلك، نجحت السُّلطة بربط مختلف الشرائح المُجتمعيّة بها بصورة عضوية.

يُقدِّم لنا النظر في آليات الهندسة الاجتماعية بُعدا مهما لفهم التحوُّلات الاجتماعية التي شهدتها دولة الإمارات، لكن هذا البُعد ليس كافيا وحده لفهم الصورة كاملة دون التدقيق في ممارسات القمع، وآليات الترقي والإقصاء، وسياسات الضبط الاجتماعي التي مارسها حكام البلاد. وفي هذا الصدد، نُشير إلى أن أبو ظبي اعتمدت نهج الاعتقالات والتضييق الأمني الشرس ضد المعارضين والمنتقدين، حتى في تلك المواضيع التي لا تمس آليات تنظيم الحكم وسياسات توزيع الثروة، وهو ما دفع الأصوات الناقدة أو الراغبة بالإصلاح إلى مغادرة البلاد حفاظا على حياتهم، أو البقاء مع التزام الصمت المُطبِق. كل هذه الحوادث لعبت دورا أساسيا في تشكيل الخطوط الحُمر، وإعادة تشذيب الآراء والتوجُّهات وتقليمها.

على رأس هؤلاء الراحلين أو الصامتين، كان الإسلاميون السياسيون من ذوي الفاعلية السياسية، وكل من يدعو للإصلاح وإشراك المواطنين في التشريعات، وهو ما ولَّد ملفّا كاملا ما زال مفتوحا حتى يومنا يُعرف بـ "سُجناء الرأي في الإمارات"، فعلى الرغم من اشتهار عداء أبو ظبي لكل ما يتّصل بالإسلام السياسي، فإن النهج السياسي الإماراتي يأخذ خطّا معاديا بوضوح تجاه أي فعل "ديمقراطي" يمكن أن يُفكِّك منظومة الاستبداد في المنطقة. وينطبق ذلك تماما على سياسات أبو ظبي الخارجية، فرغم أنها تشن الحروب بطول المنطقة وعرضها ضد الإسلام السياسي على وجه الخصوص، فإن شظايا نيرانها تُصيب جميع التيارات الداعية للديمقراطية والثورة بالعموم.

إن ولي العهد الإماراتي محمد بن زايد قد يكون أكثر مَن يكره الإخوان المسلمين في العالم".

(السفير البريطاني السابق في الإمارات السير جون جينكز)


في إطار مساعيها لتشكيل "فكر إسلامي" مضاد يخدم أجندتها الداخلية والخارجية؛ اتجهت الإمارات لدعم التيار الإسلامي الصوفي، وما يُعرف باليسار الحداثي، وخلق شبكاتها الخاصة من المؤسسات والمنظمات البديلة، وكان هذا الاتجاه موائما تماما لموقف عدد من كبار الخبراء الأميركيين في سياسات الشرق الأوسط وعلى رأسهم برنارد لويس ودانييل بايبس، الذين وجَّهوا إلى أهمية عقد تحالف مع الطرق الصوفية لملء الساحة الدينية والسياسية وفق ضوابط فصل الدين عن الحياة. ففي صيف 2002 أصدرت مؤسسة "راند" دراسة دعت فيها إلى تأسيس تحالف إستراتيجي مع الصوفية لمواجهة ما سمَّته بـ "التطرُّف الديني في العالم الإسلامي".

ما يُعتَبر دينا وما لا يُعتَبر دينا ليس أمرا معتمدا على حضور أو غياب الإيمان بالله، وإنما قرار سياسي حول درجة الولاء السياسي للدولة القومية"(9).

(المفكّر الأميركي وليام كافانو)


 أبو ظبي تسعى لتوظيف رجال السلطان من نوعين رئيسيين. الأول يرى أن طاعة ولي الأمر واجبة مهما بلغ طغيانه تجنُّبا للفوضى، وأن الدين يجب ألا يتدخَّل في السياسة، وأن الروحانيات هي الأساس، ووفق هذا المنطق، فلا بأس إن كان هؤلاء يدَّعون أنهم على المذهب السلفي أو الصوفي. ونوع ثانٍ يُصنع على عين رجال السلطة ليواجه الطرف المُستبعد من الإسلاميين والدعاة الذين يرون أن لهم دورا سياسيا وإصلاحيا في مجتمعاتهم وبلدانهم".



يبرز التوظيف الديني إذن باعتباره أداة سلطوية يمكن أن تتبدَّل بحسب المصالح السياسية، وهو ما دفع أحد الرموز الدينية الشهيرة في الإمارات -على سبيل المثال- إلى الانقلاب على مواقفه السابقة كافة الرافضة للتطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، ليُوظِّف آيات مثل "لا نُفرِّق بين أحد من رسله" في سياق تبرير موقف الإمارات من التطبيع مع الإسرائيليين، باعتبارهم يهودا، لم يُفرِّق الله بينهم وبين المسلمين. كذلك لم يعد من المستغرب أن نرى رموزا وناشطين إماراتيين لا يخجلون من إبداء التعاطف مع الاحتلال واتهام الفلسطينيين بالعنف والإرهاب.

مع هذا التضييق الشديد للفضاء العام في الإمارات، بالإضافة إلى التحكُّم المركزيّ بالخطابَيْن الديني والفني واحتكار المجال السياسي لعقود طويلة، طالت تأثيرات السلطة قطاعات واسعة من المجتمع، ودفعت آخرين إما خارج الدولة تماما، وإما حوَّلتهم إلى أجساد صامتة بداخلها. خَلَقَ التوجُّه السلطوي عددا من الأساطير القومية التي اختزلت الدولة في الأشخاص، ورهنت مصيرها الإستراتيجي بهم؛ الأمر الذي شكَّلَ بنية اجتماعية مغلقة تخطّ معايير جديدة للثواب والعقاب ويُعاد فيها تعريف المواطن الصالح بما يتوافق تماما مع تدابير الرجل الذي يجلس فوق سدة الحكم.

"تلاشى وجه الأخ الكبير، وظهرت شعارات الحزب الثلاثة بأحرف كبيرة بارزة:

الحرب هي السلام

الحرية هي العبودية

الجهل هو القوة".

(جورج أورويل) – 1984


 الشرعية بقوة التقاليد، والسلطة التي تتعاظم هيبتها بمرور الزمن عليها. في ضوء ذلك، لم يَعُد مستغربا أن نشاهد تلك الحالة من اللا مبالاة السياسية في كثير من الشرائح الاجتماعية الإماراتية، على حد وصف المفكر الإماراتي محمد عبيد غباش، نتيجة النفوذ المطلق الذي باتت تتمتع به السلطات على المجال العام، وهو ما ينطبق -بنسبة ما- على الحالة السياسية الخليجية عموما، مع خصوصيات وتباينات لا يمكن إغفالها لكل دولة.

 نُسمّيه "رشوة عامة"، صرنا نمتلك تصوُّرا أكثر تماسكا؛ وهو تصوُّر وإن لم يكن يُنكر دور الريع وعائدات النفط في تدجين المواطنين وتحييدهم سياسيا، فإنه يضع بالاعتبار العاملين السكاني والأمني، كونهما ركنين أساسيين لسياسات الهندسة الاجتماعية، المصممة بالأساس لخلق مجال عام صامت، وفرز جيل من المواطنين يؤمن -من كل قلبه- برواية السلطة، ولا يتوقف عن اعتناقها وترديدها في أي وقت وتجاه أي قضية.

*

Oct 30, 2020

التطبيع.. حرب بأشكال أخرى

 وهناك شعبان، يتصارعان، ولكنهما يتعايشان أيضا. أحدهما ظالم، والآخر مظلوم، هذا صحيح، ولكنهما لا يقيمان علاقات قتل على طول الخط. الآلاف من الفلسطينيين، يذهبون إلى العمل في إسرائيل، ويبنون بأيديهم المستوطنات التي تقام على أرضهم. هذا نوع من أوضاع القهر والظلم، إلا أن دافعه المعيشي البسيط يظل يفرض نفسه.

الافتراض القائل إن التطبيع هو نوع من الاستسلام، افتراض سخيف بالفعل. إسرائيل دولة، والسودان دولة. ما الذي يجعل السودان أو البحرين أو الإمارات أو السعودية، تتخلى عن مكانتها كدول ذات سيادة، تقرر لنفسها بنفسها مصالحها، وتضع حدودا لما هو مناسب أو غير مناسب من أشكال العلاقات؟ هل سنبيع قمحا لإسرائيل مجانا، لأننا نُطبع؟ هذا لن يحصل. وإذا بعنا لها نفطا بسعر السوق، فلأنها مثل غيرها “سوق”. لا شيء يبرر الافتراض بأن العلاقات بين الدول تعني استسلاما أو استذلالا. مصر لم تفعل ذلك على امتداد أربعين عاما من التطبيع. ولا الأردن. ولن يفعلها أي أحد. هناك معايير. وهذه المعايير ليست خاصة بالعلاقة مع إسرائيل. إنها معايير خاصة للعلاقة بين كل الدول.

الافتراض بأن التطبيع “استسلام” يدل على مقدار هائل من عدم الثقة بالنفس. إنه تعبير عن ضعف دفين هو نفسه مخيف. عسكريا، مصر أقوى من إسرائيل، وتستطيع أن تغلبها في أي حرب. وفعلت ذلك، حتى عندما كانت إسرائيل تمتلك فائدة جغرافية كبرى، باحتلال سيناء ووجودها على الطرف الشرقي من قناة السويس. لا يوجد ضعف في العلاقة بين مصر وإسرائيل، ولا بأي معنى من المعاني.

البعبع لا يُخيف إلا الأطفال. والذين يخافون من إسرائيل بافتراض أنها بعبع، يمارسون السياسة بعقل طفل.

تستطيع أن ترفض المصافحة، مثلما يمكنك أن تفعل، كبشر، مع أي بشر آخر قد يعتدي عليك. ولكن ذلك لا يمنع من التحدث إليه إذا توفر ما يستوجب الحديث، ولا المصافحة إذا استوجبت اللياقة.

فعندما يمد لك إسرائيلي يده ويراك ترتجف، لا بد أنك تترك له شعورا بأنه كائن خرافي

مقدار من الثقة بالنفس، يمكنه أن يجعلك أنت في وضع متفوق، لا الطرف الآخر. يكفي أن تعرف ما أنت عليه، لتعرف أن بلادك ليست ضعيفة، وشعبك ليس هزيلا، وتراثك ليس قشة في مهب الريح.

ما لا يُعقل، على الإطلاق، أن يتخذ بعضنا من التطبيع سببا للتخوين أو التجريم. هذا في أقل الأحوال، قلة أدب. لأنه اتهام قائم على سوء فهم، وعلى إساءة من دون مبرر، وتجريح قائم على افتراضات بليدة.

ما هو حقيقي هو أن الدول التي اختارت التطبيع لم تتخل عن دورها في الدفاع عن الحقوق الوطنية المشروعة للفلسطينيين. أما التخوين، الذي يأتي من المسؤولين الفلسطينيين، فهو يقصد شيئا واحدا، هو أنهم يريدون أن يستخدموا التطبيع كورقة في مفاوضاتهم مع إسرائيل. هم ليسوا ضد التطبيع من حيث المبدأ، وإنما ضد الورقة، عندما لا تكون بأيديهم. هذه هي كل القصة. لا أكثر ولا أقل.

للسلطة الفلسطينية الحق في أن تقرر مصالحها ومصالح شعبها من دون العودة إلى أحد. ولكن لا يحق لأي أحد، في العلاقة مع البعبع، أن يقرر مصالحه، إلا بالعودة إلى تلك السلطة. وما تلك إلا قسمة ضيزى.

*

التطبيع والانفجار العربي القادم

Dec 27, 2020

 استخدمت الأنظمة السلطوية العربية القضية الفلسطينية ورقة توت تغطّي بها عوراتها السياسية، خصوصا ما يتعلق بملفات الحرية والديمقراطية والتنمية.

حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية مع ضمان عودة اللاجئين.

جيل استفاق على قضية فلسطين، أن يتساءل أين صارت "قضية العرب الأولى" والوحيدة في أحيان، وكيف يتطابق الأفق السياسي والثقافي مع ما صارت إليه. إذا جاز أن نتكلم عن "تربية" جيل، بحسب مصطلح عبد القادر الجنابي، عما نقصده في مجال آخر "الثقافة"، فستكون قضية فلسطين، على نحو ما عمودها. كانت هذه القضية وراء الثقافة ووراء السياسة ووراء الفن والأدب. كان الحلم القومي، ولا نخطئ حين نسمّي ما جرّت إليه استعمارات ما بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية، وما بدا انتفاضاً عليها، حلماً.

الحلم العربي

*Jun 10, 2021

الموقف القطري ليس ضد التطبيع في حد ذاته، وإنما ضد أن يكون ذلك ضمن فضاء لا تكون قطر هي واجهته

واعتبرت أوساط سياسية خليجية أن الموقف القطري ليس ضد التطبيع في حد ذاته، وإنما هو ضد أن يكون ذلك ضمن فضاء خليجي أو عربي لا تكون فيه قطر هي الواجهة والمستفيد المباشر. وأشارت هذه الأوساط إلى أن إحياء هذا المسار وضم دول جديدة إليه يمكن أن يسرقا الأضواء من الدوحة التي تروّج نفسها كبوابة للوساطة والتفاوض في ملفات إقليمية، بدءا من جماعات الإسلام السياسي ومرورا بإيران ووصولا إلى طالبان.

وبذلت قطر كل ما في وسعها للضغط على طالبان كي تخفّض الحركة حدّة خطابها وتظهر نوعا من الانفتاح المؤقت من أجل إنجاح توسّط قطر في إقناع الغربيين بأنها تمسك بالملف وتتحكم في هذه الحركة المتشددة، وهو ما شدد عليه الشيخ محمد بن عبدالرحمن حين قال إن بلاده “وسيط محايد وقد حافظت على حياديتها وعلاقاتها الطيبة مع مختلف الأطراف الأفغانية”، وإنه “لا ينبغي أن ننظر إلى أفغانستان على أنها ساحة للتنافس بل يجب تبني مقاربة تعاونية من مختلف الأطراف الدولية”.

ويأتي الموقف القطري بشأن التطبيع كردة فعل على مسعى أميركي لتحريك مسار اتفاقيات أبراهام وتوسيعه ليشمل دولا أخرى، وذلك لكسر جمود ما بعد حرب غزة الأخيرة.

وتظل تفاصيل السبق القطري إلى التطبيع مع إسرائيل كثيرة؛ بدءا من التطبيع الإعلامي وفتح قناة الجزيرة القطرية أمام الإسرائيليين للوصول إلى المُشاهد العربي ومخاطبته بشكل مباشر على مدى سنوات، ومرورا بتبادل الزيارات بين كبار المسؤولين من البلدين، وفتح المكتب التجاري الإسرائيلي في الدوحة على مدى سنوات.

“لا ينبغي أن نركز على التطبيع الاقتصادي وننسى الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية”.

Oct 14, 2021

 "السعودية ترى نفسها قائداً للدول العربية والإسلامية وحامياً للأماكن المقدّسة وبالتالي فإن تطبيعها مع إسرائيل قد يعرّض مكانتها العربية والإسلامية للخطر" ، معتبرةً أن الرياض ملتزمة بالمبادرة العربية للسلام التي أطلقتها عام 2002، ولكن في المقابل أضافت العقيدي لبي بي سي : "هذا لا يعني غياب العلاقات بين السعودية وإسرائيل، فهي موجودة خاصة في مجالات الحرب ضد الإرهاب والمجالات الأمنية والعسكرية".

مستقبل القضية الفلسطينية؟

عاد الحديث عن موت المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية وضرورة إعادة إحيائها. وما إن أعلن عن الاتفاق حتى نددت به جهات فلسطينية عدة لاعتباره ضربة لقيام دولة فلسطينية مستقلة. حينها أكدت الإمارات أكثر من مرة أن الاتفاق ينص على وقف عملية الضم، في حين أكد وقتئذ نتنياهو أن الضم أرجئ فقط.

مايو من العام الجاري، كان الاختبار الأول للعلاقات البحرينية والإماراتية مع إسرائيل في أعقاب أحداث الشيخ جرّاح التي أخذت منعطفاً عسكرياً تصعيدياً. اختبار تمكّنت البلدان الثلاثة من تخطيه، ولعل هذا دليل على أن اتفاقات التطبيع لها أبعاد اقتصادية بالدرجة الأولى وليست مرتبطة بواقع القضية الفلسطينية.

مصر والأردن اللتين وقعتا معاهدتي سلام مع إسرائيل هما أكثر تأثيراً فيما يخص محادثات السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين بسبب العامل الجغرافي بالدرجة الأولى، فيما يقتصر دور الإمارات، بحسب رأيه، على الجانب السياسي على مستوى المجتمع الدولي وأيضاً على مستوى المساعدات الإنسانية التي تقدّمها أبو ظبي للفلسطينيين، وأيضا من خلال الدفع باتجاه إعادة إطلاق عجلة المفاوضات لإرساء خيار الدولة الفلسطينية المستقلة.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق