Sep 19, 2020
المذهبية والطائفية والعنصرية والقبلية أمراض وعلل استشرت، وما زالت تنهش الجسد العربي ولن تجدي نفعاً الحكومات التي تفشل في سياساتها العامة من إلقاء اللائمة على مشجب المؤامرة. هناك أمور وقضايا وهموم تشغل الشارع العربي أكثر بكثير من هكذا أقوال وأسطوانات مشروخة ومقولات بطولية واستهلاكية. لغة اليوم تقول إن المصالح أهم من العاطفة والوجدان، وبالتالي كل دولة لها الحق في أن تتخذ ما تراه مناسباً بقراراتها السيادية وبكل استقلالية ما دام فيها مصلحة لها ولشعبها. استغفال الشعوب العربية بالحماسة والانفعال والضجيج والأقوال وكذبة وحدة المصير أثبتت عدم جدواها؛ فالناس لا يُهمها سوى السلام والأمان ولقمة العيش، وغير ذلك مضيعة للوقت وخارج دائرة اهتماماتهم. الشعوب سئمت خطابات الوحدة الحالمة والعناوين الجوفاء والشعارات الفارغة والمزايدات الرنانة، وتجدها أساليب تسوقهم للجهل والسذاجة والضياع. ولذا؛ لا يوجد أفضل من الاعتماد على النفس، أو كما قال إمامنا الشافعي ما حك جلدك مثل ظفرك، فتولّ أنت جميع أمرك.
الخروج من هذا النفق المظلم يكون عبر التفكير خارج الصندوق والبدء بعملية إصلاح سياسي واقتصادي واجتماعي، وهذا ما يهم حقيقة وليس الارتهان إلى عنتريات ليس فيها عنترة، وشعارات لم تعد تُغني ولا تُسمن من جوع.
التنوير العربي كمنقذ من الطائفية والمذهبية
- هاشم صالح - كاتب سوري | نوفمبر 6, 2016
يرفض الغربيون العودة إلى الأصولية المسيحية؟ لأنهم يعرفون معنى التدين الأصولي القديم وكل العصبيات الطائفية والمذهبية التي يحملها معه أو تحت طياته. وهذا شيء يريدون تحاشيه بأي شكل كان؛ فقد عانوا حروب المذاهب المسيحية ما عانوا إلى درجة أن مجرد ذكراها يبث الرعب والاشمئزاز في النفوس. يكفي أن نعلم أن حرب الثلاثين عامًا (1618-1648م) دمرت نصف ألمانيا تقريبًا، واجتاحت معظم أنحاء أوربا الأخرى. وهم لا يريدون العودة إلى هذه الحروب الطائفية التي مزقتهم تمزيقًا. وقُل الأمر ذاته عن الحرب الأهلية الرهيبة التي جرت بين الكاثوليكيين والبروتستانتيين في فرنسا. أصلًا التنوير جاء كرد فعل على هذه الحروب المذهبية التي حطمت أوربا. الكاثوليكيون والبروتستانتيون كانوا أيضًا يكفّر بعضهم بعضًا مثلما تفعل المذاهب والطوائف عندنا حاليًا. كل طرف كان يدعي أنه يمثل العقيدة المسيحية القويمة المستقيمة التي لا تشوبها شائبة، وأن الطرف الآخر منحرف عنها ومهرطق وزنديق، ومن ثم فهو كافر يحل دمه.
وهذا يعني أن عقيدة الفرقة الناجية موجودة أيضًا في المسيحية. جماعة البابا والفاتيكان يعتقدون اعتقادًا جازمًا أنهم هم الذين يمثلون المسيحية الحقة وليس البروتستانتيون أو الأرثوذكس الروسيون أو غير الروسيين من يونانيين وصرب ومسيحية شرقية عربية. وعلى هذا الأساس كان الكهنة والقساوسة يهيجون المتدينين البسطاء بعضهم على بعض لارتكاب المجازر والذبح على الهوية. عندئذ قرر فلاسفة التنوير فتح ملف العقيدة اللاهوتية المسيحية. واتخذوا قرارًا بتفكيكها والانتقام منها حتى العظم! ماذا فعل بيير بايل وسبينوزا وفولتير ومونتسكيو وروسو وديدرو والموسوعيون… إلخ؟ هذا ناهيك عن كانط وهيغل وفويرباخ ونيتشه… إلخ. هنا بالضبط يكمن جوهر مشروع التنوير الكبير الذي يريد بعض المثقفين العرب القفز عليه بحجة أنهم تجاوزوه ووصلوا إلى مرحلة ما بعد الحداثة! برافو!
واقعنا العربي الإسلامي
لا نزال نتخبط في متاهات العصور الوسطى الطائفية التكفيرية.
المجتمع السوري أو المصري أو السعودي يقف على نفس مستوى الاستنارة العقلية عند المجتمع الهولندي أو الفرنسي، أو الأوربي عمومًا. وأقصد بالاستنارة العقلية هنا انحسار العصبيات الطائفية والمذهبية بفضل هضم جماهير الشعب (وليس فقط المثقفين) للفلسفة العقلانية الحديثة وتجاوز المرحلة القروسطية للدين أو التدين. أحيانًا يخيل إليَّ وكأنهم يقولون: لا توجد طائفية عندنا ولا مذهبية ولا حروب أهلية مضمرة أو صريحة. كل شيء على ما يرام عندنا والحمد لله. نحن لا نشكو من أي شيء. من قال لكم بأن عندنا مشكلة؟ نحن تجاوزنا مرحلة الحداثة والتنوير بسنوات ضوئية ووصلنا إلى مرحلة ما بعد الحداثة وما بعد التنوير القديم التافه!
منجزات الحداثة كالتنوير الديني وتجاوز الطائفية بوساطة العقل العلمي والدولة المدنية، فلا أحد يريد التراجع عنها. لا ريب في أنهم أصبحوا يدعون إلى علمانية إيجابية منفتحة على البعد الروحاني للإنسان ولكن من دون العودة إلى النظام الأصولي الطائفي القديم، أو التراجع عن الفكرة الأساسية للعلمانية والدولة المدنية. لا أحد يريد التراجع عن دولة الحق والقانون الذي ينطبق على الجميع. ولا أحد يريد التراجع عن الحرية الدينية المطلقة: أي حرية أن تتدين أو لا تتدين على الإطلاق، بمعنى آخر فإن آية: ﴿لا إكراه في الدين﴾ مطبقة في أوربا وليس في العالم الإسلامي. ولذلك قال الإمام محمد عبده عبارته الشهيرة: في أوربا يوجد إسلام بدون مسلمين، وعندنا يوجد مسلمون بلا إسلام. بمعنى أن مكارم الأخلاق والدقة في المواعيد والإخلاص في العمل كلها أشياء موجودة في أوربا ولكن ليست عندنا.
هذا الشخص يريد إعادتنا إلى عصر التنوير الأوربي. إنه يريد إعادتنا مئتي سنة إلى الوراء. ما هذا الهراء؟! نحن تجاوزنا كل ذلك. نحن في القرن العشرين، بل الحادي والعشرين. متى سيفهم هذا الشخص أننا لم نعد في القرن الثامن عشر؟!». كردٍّ على هذه المغالطة السهلة والمكابرة المضحكة(1) سوف أقول ما يلي: إني لا أريد إعادتكم إلى القرن الثامن عشر فقط، إنما إلى القرن السادس عشر أيضًا! هل تعتقدون أنكم تجاوزتم الأسئلة التي طرحتها النهضة الإيطالية العظيمة على الدين؟ بل أريد إعادتكم إلى القرن الثالث عشر وبدايات النهضة الأوربية الأولى؛ حيث انهمكوا في ترجمة علمائنا وفلاسفتنا وبنوا على ذلك نهضتهم الكبرى.
بل أريد إعادتكم إلى ما قبل ذلك بكثير: إلى القرن الثامن والتاسع والعاشر للميلاد؛ أي إلى العصر الذهبي العربي الإسلامي بالذات. هل تعتقدون أننا تجاوزنا التساؤلات التي طرحها ابن المقفع والتوحيدي والرازي والفارابي وابن سينا وابن رشد والمعري وسواهم على الدين؟ بل حتى الأسئلة التي طرحتها فرقة المعتزلة المتنورة العظيمة التي لا نستطيع طرحها الآن. أيها السادة، العالم الإسلامي ليس متخلفًا عن ركب الحضارة علميًّا وتكنولوجيًّا وفلسفيًّا فقط. إنما هو متخلف دينيًّا ولاهوتيًّا أيضًا بالدرجة الأولى. ما يقال عن الدين في العالم العربي والإسلامي حاليًا شيء مضحك ومخجل. إنه يفضحنا أمام البشرية كلها. إنه يعرينا على حقيقتنا. هل تعتقدون أننا سنخرج من هذا المغطس الكبير الذي وقعنا فيه عن طريق مثل هذا الخطاب القروسطي التكفيري الذي يبثه شيوخ الفضائيات على مدار الساعة، ويملأ العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه؟
لقد أصبحنا مهزلة العالم كله، بل أصبحنا بعبعًا يرعب العالم، بعد أن كنا ذروة الحضارة إبان العصر الذهبي. ومن ثم فالمسألة ليست مضحكة على الإطلاق.
الصراع الجدلي الخلَّاق
بين مثقفي الحداثة ومثقفي القدامة
قلتها مرارًا وتكرارًا في كتبي المتلاحقة: هناك فرق بين التنوير الوسطي المؤمن والتنوير المتطرف الملحد؛ الأول يمثله (فولتير، وجان جاك روسو، ومونتسكيو، وكانط) وسواهم من عمالقة الفكر، والثاني يمثله (ديدرو، والبارون دولباك، ونيتشه) وآخرون عديدون. وقد اخترت معسكري منذ البداية بكل وضوح؛ فأنا مع التنوير المؤمن بالله والعناية الإلهية والقيم الأخلاقية العليا لتراثنا العربي الإسلامي العريق، وقلت أيضًا بأن تنويرنا لن يكون نسخة طبق الأصل عن التنوير الأوربي، ولا معاكسًا له على طول الخط؛ فهناك إيجابيات عديدة في التنوير الأوربي، وخصوصًا في بداياته عندما كان لا يزال بريئًا ولم ينحرف بعد. ولا بأس من استلهامها والاستضاءة بها. وعلى أي حال فإن صراع الأضداد الذي جرى في أوربا بين الفلاسفة ورجال الدين المسيحيين سوف يحصل ما يشبهه في الساحة العربية، بل قد بدأ يحدث من الآن، وبخاصة بعد أن وصل الإخوان إلى سُدَّة السلطة في بعض البلدان العربية قبل أن يزاحوا عنها لحسن الحظ من متنوري مصر وتونس.
فمن الواضح أن الفهم الإخواني للإسلام يتعارض مع الفهم العقلاني المستنير. والصراع محتوم بين الطرفين. ولن نستطيع تحاشي ذلك مهما فعلنا؛ فإما إسلام الأنوار وإما إسلام الإخوان. انظر إلى ما حصل في مصر إبان حكم مرسي من صراعات حادة حول «الأخونة»: أي أخونة الإدارة الحكومية والتلفزيون والإعلام والثقافة وكل شيء. ولكن الصراع ليس كله سلبيًّا كما ذكرت سابقًا. على العكس تمامًا. كان هيغل يقول ما معناه: «لا شيءَ عظيمًا في التاريخ يتحقق بدون صراعات البشر وأهوائهم الهائجة». ومن ثم فما نشهده حاليًا من اضطرابات في العالم العربي قد يكون ظاهرة صحية وليست مرضية؛ فالمجتمعات الراكدة الهامدة هي وحدها التي لا تعرف معنى الصراع، ومن ثم تجهل معنى الابتكار والإبداع والانتقال من حال إلى حال.
على مدار التاريخ كان هناك صراع جدلي خصب بين العقل الديني والعقل الفلسفي. وحضارتنا العربية الإسلامية لم تبلغ أوجها إلا عندما كان هذا الصراع متألقًا إبان العصر الذهبي المجيد. ولكن عندما توقف هذا الصراع وماتت الفلسفة أُغلق باب الاجتهاد ودخلنا في عصر الانحطاط الطويل والفكر الأُحادي الممل والتكرار والاجترار… لم يعد هناك توتر ذهني أو صراع فكري في الساحة الإسلامية؛ لأن أحد طرفي المعادلة، أي العقل الفلسفي، هُمش وقُضي عليه، بل تم تكفيره وزندقته. وبموت العقل الفلسفي حصل جمود للعقل الديني فأصبح فقيرًا جدًّا من الناحية الفكرية؛ لأن الفلسفة لم تعد موجودة لكي تغذيه وتستفزه وتدفعه إلى المزيد من النضج والانفتاح. للتدليل على ذلك يكفي أن نقارن بين العقل الديني عندنا والعقل الديني في الغرب. بصراحة لا وجه للمقارنة؛ فرجال الدين في أوربا يطلعون على كتب الفلسفة ويستفيدون منها في تعميق الإيمان وفهم الدين، أما عندنا فيكتفون بقراءة الكتب التقليدية التي أكل عليها الدهر وشرب. نضرب على ذلك مثلًا: عالم اللاهوت السويسري الألماني هانز كونغ(2). إنه مطلع على أحدث النظريات الفلسفية والإبيستمولوجية، ولهذا السبب فإن دراساته عن الدين تبدو قوية ومقنعة، على عكس دراسات التقليديين المملة من كثرة التكرار والاجترار. وهذا يعني أن الاحتكاك بين الدين والفلسفة مفيد لكلا الطرفين. ومن ثم فلا بد من إعادة الاعتبار إلى الفلسفة والعقل الفلسفي إذا ما أردنا النهوض واستعادة العصر الذهبي مرة أخرى.
وختامًا فإن تخبطات الربيع العربي شيء إجباري لا مندوحة عنه؛ لأنه «لا بد دون الشهد من إبر النحل»؛ كما يقول شاعرنا الكبير المتنبي الذي اكتشف معنى الجدل وقانون التقدم قبل هيغل! وهذا يعني أن المرور بالمرحلة الإخوانية الأصولية على الرغم من صعوبتها وخشونتها شيء لا بد منه لكي نتحرر منها على طريقة: «وداوني بالتي كانت هي الداء»؛ كما يقول الشاعر الكبير أبو نواس. لهذا السبب أقول بأننا نعيش لحظة تقدمية من التاريخ العربي حتى لو كانت تبدو في ظاهرها تراجعيةً، بل فجائعية.
العروبة بين الحلم والحقيقة
قطر تلعب مع كل الأطراف تركية الهوية إيرانية المصالح وأمريكية الهداف وإسرائيل تلعب في كل مكان
*تشكو الكثير من الدول على غرار لبنان وسوريا من أزمات اقتصادية وسياسية فيما فقد العراق ريادته العربية جرّاء حروب السنوات الماضية، بينما تقاوم دول أخرى لاستعادة توازنها وحضورها العربي والإقليمي. وبناء على كل ذلك يؤكد المفكر السياسي المصري أحمد يوسف أحمد في حوار مع «العرب» أن القومية العربية هي المخرج الآمن لكل المشكلات العالقة في المنطقة.
بعد ثورات الربيع العربي صراعاتها على أسس قُطرية، وتركت رابطة العروبة بعد أن كانت هوية وفكرة، وجرت تحولات أدت إلى خسوفها مقابل تصاعد الأطماع وزيادة التدخلات من جانب قوى إقليمية ودولية.
أحمد يوسف أحمد أستاذ العلوم السياسيّة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، والمدير الأسبق لمعهد البحوث والدراسات العربية التابع للجامعة العربية، والمتوج أخيرا بجائزة الدولة التقديرية المصرية في العلوم الاجتماعية، والذي يوصف في الكثير من الأدبيات السياسية بأنه أحد كبار المدافعين عن العروبة، ولا يزال يؤمن بفكرتها وعدم وفاتها، وله رؤى عملية في ما يجري على الساحة العربية من تطورات وتكالب من قبل إيران وتركيا للتأثير على الرابطة القومية.
أكد أحمد أن القومية العربية لم تمت ولم تدفن فما زالت لها أنصارها، بينما كانت في الخمسينات والستينات من القرن الماضي هي التيار السائد والمحرك للتفاعلات العربية وحركات التحرر الوطني والمحاولات الوحدوية، فإنها الآن هي تيار ضمن تيارات أخرى.
الأمل في عودة الاعتبار إلى العروبة على أسس موضوعية مصلحية، وأن التيار القومي
Oct 25, 2021*
مصطفى نعمان: العروبة صارت شعارا نتغنى به وليس فكرة نُفعّلها في المجتمع
حذر الحسين شعبان -المفكر والباحث العراقي- من تصدع الدولة العربية وتراجع القضية الفلسطينية الجامعة للعروبة، وانفجار الهويات الفرعية، والرياح الطائفية والإثنية المناوئة لفكرة العروبة، وحضور قوى أخرى بالمنطقة، مثل تركيا وإيران.
تاج الدين الحسيني: عالمنا العربي يعيش أسوأ أزماته منذ حصول دوله على استقلالها
فالمنطقة عرفت الاستعمار والتدخلات والأجندات الخارجية والصراعات الأيديولوجية والاصطفاف بين معسكري الغرب والشرق أثناء الحرب الباردة والقصور التنموي والتبعية الاقتصادية واتساع الهوة التقنية وقضايا التحول الديمقراطي وحقوق الإنسان والحرية والتطرف والتشرذم، حسب هاشم كايد، وهي تقتضي التنمية بمفهومها الشامل، وبالتالي إعادة الترابط العربي في حقول التنمية الذي يبدأ بالمفاعيل الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، وصولا إلى بناء كتلة اقتصادية تشكل صوتا للمنطقة العربية ضمن كتل متنافسة أخرى.
وبنظرة تشاؤمية أكد تاج الدين الحسيني أن عالمنا العربي يعيش أسوأ أزماته منذ تاريخ نشأة دوله وحصولها على استقلالها، حيث أكد أن الربيع العربي كان خريفا قاسيا ومدمرا أنتج دولا فاشلة وأخرى مارقة أو تتأرجح بينهما، ويتطلب منا ذلك تقييم هذا الوضع الذي يعيشه عالمنا العربي من منطلق كيف تضررت المواطنة العربية والهوية.
لا توجد دولة عربية فقيرة من الموارد الطبيعية والخيرات؛ إذن المشكلة عدم التخطيط الجيد المبتكر، وعدم وضع أهداف حقيقية تخدم الناس وتستهدف النماء والرخاء البشري، فقد استبدلت كل هذه البديهيات بالشعارات الرنانة والقيم الكاذبة والحروب الزائفة.
*
- هاشم صالح - كاتب سوري | نوفمبر 6, 2016
يرفض الغربيون العودة إلى الأصولية المسيحية؟ لأنهم يعرفون معنى التدين الأصولي القديم وكل العصبيات الطائفية والمذهبية التي يحملها معه أو تحت طياته. وهذا شيء يريدون تحاشيه بأي شكل كان؛ فقد عانوا حروب المذاهب المسيحية ما عانوا إلى درجة أن مجرد ذكراها يبث الرعب والاشمئزاز في النفوس. يكفي أن نعلم أن حرب الثلاثين عامًا (1618-1648م) دمرت نصف ألمانيا تقريبًا، واجتاحت معظم أنحاء أوربا الأخرى. وهم لا يريدون العودة إلى هذه الحروب الطائفية التي مزقتهم تمزيقًا. وقُل الأمر ذاته عن الحرب الأهلية الرهيبة التي جرت بين الكاثوليكيين والبروتستانتيين في فرنسا. أصلًا التنوير جاء كرد فعل على هذه الحروب المذهبية التي حطمت أوربا. الكاثوليكيون والبروتستانتيون كانوا أيضًا يكفّر بعضهم بعضًا مثلما تفعل المذاهب والطوائف عندنا حاليًا. كل طرف كان يدعي أنه يمثل العقيدة المسيحية القويمة المستقيمة التي لا تشوبها شائبة، وأن الطرف الآخر منحرف عنها ومهرطق وزنديق، ومن ثم فهو كافر يحل دمه.
وهذا يعني أن عقيدة الفرقة الناجية موجودة أيضًا في المسيحية. جماعة البابا والفاتيكان يعتقدون اعتقادًا جازمًا أنهم هم الذين يمثلون المسيحية الحقة وليس البروتستانتيون أو الأرثوذكس الروسيون أو غير الروسيين من يونانيين وصرب ومسيحية شرقية عربية. وعلى هذا الأساس كان الكهنة والقساوسة يهيجون المتدينين البسطاء بعضهم على بعض لارتكاب المجازر والذبح على الهوية. عندئذ قرر فلاسفة التنوير فتح ملف العقيدة اللاهوتية المسيحية. واتخذوا قرارًا بتفكيكها والانتقام منها حتى العظم! ماذا فعل بيير بايل وسبينوزا وفولتير ومونتسكيو وروسو وديدرو والموسوعيون… إلخ؟ هذا ناهيك عن كانط وهيغل وفويرباخ ونيتشه… إلخ. هنا بالضبط يكمن جوهر مشروع التنوير الكبير الذي يريد بعض المثقفين العرب القفز عليه بحجة أنهم تجاوزوه ووصلوا إلى مرحلة ما بعد الحداثة! برافو!
واقعنا العربي الإسلامي
لا نزال نتخبط في متاهات العصور الوسطى الطائفية التكفيرية.
المجتمع السوري أو المصري أو السعودي يقف على نفس مستوى الاستنارة العقلية عند المجتمع الهولندي أو الفرنسي، أو الأوربي عمومًا. وأقصد بالاستنارة العقلية هنا انحسار العصبيات الطائفية والمذهبية بفضل هضم جماهير الشعب (وليس فقط المثقفين) للفلسفة العقلانية الحديثة وتجاوز المرحلة القروسطية للدين أو التدين. أحيانًا يخيل إليَّ وكأنهم يقولون: لا توجد طائفية عندنا ولا مذهبية ولا حروب أهلية مضمرة أو صريحة. كل شيء على ما يرام عندنا والحمد لله. نحن لا نشكو من أي شيء. من قال لكم بأن عندنا مشكلة؟ نحن تجاوزنا مرحلة الحداثة والتنوير بسنوات ضوئية ووصلنا إلى مرحلة ما بعد الحداثة وما بعد التنوير القديم التافه!
منجزات الحداثة كالتنوير الديني وتجاوز الطائفية بوساطة العقل العلمي والدولة المدنية، فلا أحد يريد التراجع عنها. لا ريب في أنهم أصبحوا يدعون إلى علمانية إيجابية منفتحة على البعد الروحاني للإنسان ولكن من دون العودة إلى النظام الأصولي الطائفي القديم، أو التراجع عن الفكرة الأساسية للعلمانية والدولة المدنية. لا أحد يريد التراجع عن دولة الحق والقانون الذي ينطبق على الجميع. ولا أحد يريد التراجع عن الحرية الدينية المطلقة: أي حرية أن تتدين أو لا تتدين على الإطلاق، بمعنى آخر فإن آية: ﴿لا إكراه في الدين﴾ مطبقة في أوربا وليس في العالم الإسلامي. ولذلك قال الإمام محمد عبده عبارته الشهيرة: في أوربا يوجد إسلام بدون مسلمين، وعندنا يوجد مسلمون بلا إسلام. بمعنى أن مكارم الأخلاق والدقة في المواعيد والإخلاص في العمل كلها أشياء موجودة في أوربا ولكن ليست عندنا.
هذا الشخص يريد إعادتنا إلى عصر التنوير الأوربي. إنه يريد إعادتنا مئتي سنة إلى الوراء. ما هذا الهراء؟! نحن تجاوزنا كل ذلك. نحن في القرن العشرين، بل الحادي والعشرين. متى سيفهم هذا الشخص أننا لم نعد في القرن الثامن عشر؟!». كردٍّ على هذه المغالطة السهلة والمكابرة المضحكة(1) سوف أقول ما يلي: إني لا أريد إعادتكم إلى القرن الثامن عشر فقط، إنما إلى القرن السادس عشر أيضًا! هل تعتقدون أنكم تجاوزتم الأسئلة التي طرحتها النهضة الإيطالية العظيمة على الدين؟ بل أريد إعادتكم إلى القرن الثالث عشر وبدايات النهضة الأوربية الأولى؛ حيث انهمكوا في ترجمة علمائنا وفلاسفتنا وبنوا على ذلك نهضتهم الكبرى.
بل أريد إعادتكم إلى ما قبل ذلك بكثير: إلى القرن الثامن والتاسع والعاشر للميلاد؛ أي إلى العصر الذهبي العربي الإسلامي بالذات. هل تعتقدون أننا تجاوزنا التساؤلات التي طرحها ابن المقفع والتوحيدي والرازي والفارابي وابن سينا وابن رشد والمعري وسواهم على الدين؟ بل حتى الأسئلة التي طرحتها فرقة المعتزلة المتنورة العظيمة التي لا نستطيع طرحها الآن. أيها السادة، العالم الإسلامي ليس متخلفًا عن ركب الحضارة علميًّا وتكنولوجيًّا وفلسفيًّا فقط. إنما هو متخلف دينيًّا ولاهوتيًّا أيضًا بالدرجة الأولى. ما يقال عن الدين في العالم العربي والإسلامي حاليًا شيء مضحك ومخجل. إنه يفضحنا أمام البشرية كلها. إنه يعرينا على حقيقتنا. هل تعتقدون أننا سنخرج من هذا المغطس الكبير الذي وقعنا فيه عن طريق مثل هذا الخطاب القروسطي التكفيري الذي يبثه شيوخ الفضائيات على مدار الساعة، ويملأ العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه؟
لقد أصبحنا مهزلة العالم كله، بل أصبحنا بعبعًا يرعب العالم، بعد أن كنا ذروة الحضارة إبان العصر الذهبي. ومن ثم فالمسألة ليست مضحكة على الإطلاق.
الصراع الجدلي الخلَّاق
بين مثقفي الحداثة ومثقفي القدامة
قلتها مرارًا وتكرارًا في كتبي المتلاحقة: هناك فرق بين التنوير الوسطي المؤمن والتنوير المتطرف الملحد؛ الأول يمثله (فولتير، وجان جاك روسو، ومونتسكيو، وكانط) وسواهم من عمالقة الفكر، والثاني يمثله (ديدرو، والبارون دولباك، ونيتشه) وآخرون عديدون. وقد اخترت معسكري منذ البداية بكل وضوح؛ فأنا مع التنوير المؤمن بالله والعناية الإلهية والقيم الأخلاقية العليا لتراثنا العربي الإسلامي العريق، وقلت أيضًا بأن تنويرنا لن يكون نسخة طبق الأصل عن التنوير الأوربي، ولا معاكسًا له على طول الخط؛ فهناك إيجابيات عديدة في التنوير الأوربي، وخصوصًا في بداياته عندما كان لا يزال بريئًا ولم ينحرف بعد. ولا بأس من استلهامها والاستضاءة بها. وعلى أي حال فإن صراع الأضداد الذي جرى في أوربا بين الفلاسفة ورجال الدين المسيحيين سوف يحصل ما يشبهه في الساحة العربية، بل قد بدأ يحدث من الآن، وبخاصة بعد أن وصل الإخوان إلى سُدَّة السلطة في بعض البلدان العربية قبل أن يزاحوا عنها لحسن الحظ من متنوري مصر وتونس.
فمن الواضح أن الفهم الإخواني للإسلام يتعارض مع الفهم العقلاني المستنير. والصراع محتوم بين الطرفين. ولن نستطيع تحاشي ذلك مهما فعلنا؛ فإما إسلام الأنوار وإما إسلام الإخوان. انظر إلى ما حصل في مصر إبان حكم مرسي من صراعات حادة حول «الأخونة»: أي أخونة الإدارة الحكومية والتلفزيون والإعلام والثقافة وكل شيء. ولكن الصراع ليس كله سلبيًّا كما ذكرت سابقًا. على العكس تمامًا. كان هيغل يقول ما معناه: «لا شيءَ عظيمًا في التاريخ يتحقق بدون صراعات البشر وأهوائهم الهائجة». ومن ثم فما نشهده حاليًا من اضطرابات في العالم العربي قد يكون ظاهرة صحية وليست مرضية؛ فالمجتمعات الراكدة الهامدة هي وحدها التي لا تعرف معنى الصراع، ومن ثم تجهل معنى الابتكار والإبداع والانتقال من حال إلى حال.
على مدار التاريخ كان هناك صراع جدلي خصب بين العقل الديني والعقل الفلسفي. وحضارتنا العربية الإسلامية لم تبلغ أوجها إلا عندما كان هذا الصراع متألقًا إبان العصر الذهبي المجيد. ولكن عندما توقف هذا الصراع وماتت الفلسفة أُغلق باب الاجتهاد ودخلنا في عصر الانحطاط الطويل والفكر الأُحادي الممل والتكرار والاجترار… لم يعد هناك توتر ذهني أو صراع فكري في الساحة الإسلامية؛ لأن أحد طرفي المعادلة، أي العقل الفلسفي، هُمش وقُضي عليه، بل تم تكفيره وزندقته. وبموت العقل الفلسفي حصل جمود للعقل الديني فأصبح فقيرًا جدًّا من الناحية الفكرية؛ لأن الفلسفة لم تعد موجودة لكي تغذيه وتستفزه وتدفعه إلى المزيد من النضج والانفتاح. للتدليل على ذلك يكفي أن نقارن بين العقل الديني عندنا والعقل الديني في الغرب. بصراحة لا وجه للمقارنة؛ فرجال الدين في أوربا يطلعون على كتب الفلسفة ويستفيدون منها في تعميق الإيمان وفهم الدين، أما عندنا فيكتفون بقراءة الكتب التقليدية التي أكل عليها الدهر وشرب. نضرب على ذلك مثلًا: عالم اللاهوت السويسري الألماني هانز كونغ(2). إنه مطلع على أحدث النظريات الفلسفية والإبيستمولوجية، ولهذا السبب فإن دراساته عن الدين تبدو قوية ومقنعة، على عكس دراسات التقليديين المملة من كثرة التكرار والاجترار. وهذا يعني أن الاحتكاك بين الدين والفلسفة مفيد لكلا الطرفين. ومن ثم فلا بد من إعادة الاعتبار إلى الفلسفة والعقل الفلسفي إذا ما أردنا النهوض واستعادة العصر الذهبي مرة أخرى.
وختامًا فإن تخبطات الربيع العربي شيء إجباري لا مندوحة عنه؛ لأنه «لا بد دون الشهد من إبر النحل»؛ كما يقول شاعرنا الكبير المتنبي الذي اكتشف معنى الجدل وقانون التقدم قبل هيغل! وهذا يعني أن المرور بالمرحلة الإخوانية الأصولية على الرغم من صعوبتها وخشونتها شيء لا بد منه لكي نتحرر منها على طريقة: «وداوني بالتي كانت هي الداء»؛ كما يقول الشاعر الكبير أبو نواس. لهذا السبب أقول بأننا نعيش لحظة تقدمية من التاريخ العربي حتى لو كانت تبدو في ظاهرها تراجعيةً، بل فجائعية.
العروبة بين الحلم والحقيقة
قطر تلعب مع كل الأطراف تركية الهوية إيرانية المصالح وأمريكية الهداف وإسرائيل تلعب في كل مكان
تشكو الكثير من الدول على غرار لبنان وسوريا من أزمات اقتصادية وسياسية فيما فقد العراق ريادته العربية جرّاء حروب السنوات الماضية، بينما تقاوم دول أخرى لاستعادة توازنها وحضورها العربي والإقليمي. وبناء على كل ذلك يؤكد المفكر السياسي المصري أحمد يوسف أحمد في حوار مع «العرب» أن القومية العربية هي المخرج الآمن لكل المشكلات العالقة في المنطقة.
بعد ثورات الربيع العربي صراعاتها على أسس قُطرية، وتركت رابطة العروبة بعد أن كانت هوية وفكرة، وجرت تحولات أدت إلى خسوفها مقابل تصاعد الأطماع وزيادة التدخلات من جانب قوى إقليمية ودولية.
أحمد يوسف أحمد أستاذ العلوم السياسيّة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، والمدير الأسبق لمعهد البحوث والدراسات العربية التابع للجامعة العربية، والمتوج أخيرا بجائزة الدولة التقديرية المصرية في العلوم الاجتماعية، والذي يوصف في الكثير من الأدبيات السياسية بأنه أحد كبار المدافعين عن العروبة، ولا يزال يؤمن بفكرتها وعدم وفاتها، وله رؤى عملية في ما يجري على الساحة العربية من تطورات وتكالب من قبل إيران وتركيا للتأثير على الرابطة القومية.
أكد أحمد أن القومية العربية لم تمت ولم تدفن فما زالت لها أنصارها، بينما كانت في الخمسينات والستينات من القرن الماضي هي التيار السائد والمحرك للتفاعلات العربية وحركات التحرر الوطني والمحاولات الوحدوية، فإنها الآن هي تيار ضمن تيارات أخرى.
الأمل في عودة الاعتبار إلى العروبة على أسس موضوعية مصلحية، وأن التيار القومي
Oct 25, 2021*
مصطفى نعمان: العروبة صارت شعارا نتغنى به وليس فكرة نُفعّلها في المجتمع
حذر الحسين شعبان -المفكر والباحث العراقي- من تصدع الدولة العربية وتراجع القضية الفلسطينية الجامعة للعروبة، وانفجار الهويات الفرعية، والرياح الطائفية والإثنية المناوئة لفكرة العروبة، وحضور قوى أخرى بالمنطقة، مثل تركيا وإيران.
تاج الدين الحسيني: عالمنا العربي يعيش أسوأ أزماته منذ حصول دوله على استقلالها
فالمنطقة عرفت الاستعمار والتدخلات والأجندات الخارجية والصراعات الأيديولوجية والاصطفاف بين معسكري الغرب والشرق أثناء الحرب الباردة والقصور التنموي والتبعية الاقتصادية واتساع الهوة التقنية وقضايا التحول الديمقراطي وحقوق الإنسان والحرية والتطرف والتشرذم، حسب هاشم كايد، وهي تقتضي التنمية بمفهومها الشامل، وبالتالي إعادة الترابط العربي في حقول التنمية الذي يبدأ بالمفاعيل الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، وصولا إلى بناء كتلة اقتصادية تشكل صوتا للمنطقة العربية ضمن كتل متنافسة أخرى.
وبنظرة تشاؤمية أكد تاج الدين الحسيني أن عالمنا العربي يعيش أسوأ أزماته منذ تاريخ نشأة دوله وحصولها على استقلالها، حيث أكد أن الربيع العربي كان خريفا قاسيا ومدمرا أنتج دولا فاشلة وأخرى مارقة أو تتأرجح بينهما، ويتطلب منا ذلك تقييم هذا الوضع الذي يعيشه عالمنا العربي من منطلق كيف تضررت المواطنة العربية والهوية.
لا توجد دولة عربية فقيرة من الموارد الطبيعية والخيرات؛ إذن المشكلة عدم التخطيط الجيد المبتكر، وعدم وضع أهداف حقيقية تخدم الناس وتستهدف النماء والرخاء البشري، فقد استبدلت كل هذه البديهيات بالشعارات الرنانة والقيم الكاذبة والحروب الزائفة.
*
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق