| |||
محمد أركون صاحب واحد من اهم المشاريع الفكرية والمعرفية التي فتحت آفاقا واسعة للفكر العربي الاسلامي عبر تطبيقاتها لمنجزات العلوم الانسانية الحديثة على دراسة الاسلام وسعيها الى ترسيخ المنهجية التاريخية الحديثة في الفكر الاسلامي والتي تتخذ مكانة محورية في مشروعه العام "نقد العقل الاسلامي" حيث يرى انها السبيل الوحيد لتحقيق الفهم العلمي بالواقع التاريخي للمجتمعات الاسلامية وبالتالي اسقاط كل الاوهام الكبرى للذات عن نفسها والغاء كافة التعصبات المذهبية والعرقية بوضعها على محك الفهم العلمي الذي يسبر حقيقة واقعها التاريخي والظروف السياسية التي صاحبت تشكلها.
اللامفكر فيه في الفكر الإسلامي
يهدف محمد أر كون إلى بناء "إسلاميات تطبيقية" وهى عبارة مستمدة من كتاب روجيه باستيد "الأنثرومولوجيا التطبيقية" ومن هنا فإن هذه المنهجية التي تحاول تطبيقها على القرآن الكريم كانت قد طبقت على النصوص المسيحية وتتلخص في اخضاع النص الديني لمحك النقد التاريخي المقارن، والتحليل الألسني التفكيكي وللتأمل الفلسفي المتعلق بإنتاج المعنى وتوسعاته وتحولاته وانهدامه.
ليس النص الديني الخاص بالمسلمين فقط، لأن هذا المشروع مبني على التعرف على الظاهرة الدينية بصفة عامة، حتى تحل الظاهرة الاسلامية الدينية في أفق أوسع من الأفق الأسلامي الذي أعتني به دائما وبالتالي نكتفي بالنظر إلى تاريخ الإسلام كدين وتاريخ الإسلام كإطار فكري دون أن نراعى ما حدث ويحدث في الأديان الأخرى، وخاصة الأديان المتصلة من أصولها بالدين الإسلامي أعني اليهودية والمسيحية، لأن القرآن يذكر هذه الأديان ويحاور بني
المذهب الأباضي بسب سياسي أصبح مهمشا وأنا لا أرضى بهذا التهميش لأن الأباضية ساهمت وتساهم والتاريخ يشهد على ذلك والاسماعيلية كذلك فالإساعيليون موجودون ولهم إمامهم وهو كريم أغاخان وهي جماعة من المسلمين يقومون بأعمال مفيدة جدا فكريم
فمفكر عظيم مثل البيروني نكاد أن نقول عنه اليوم أنه كان "إنثروبولوجيا" لأنه وصف الهنود بثقافتهم ولغاتهم وعقائدهم دون أن يتعصب للإسلام. ونحن نتخوف من المذاهب وتعدد المذاهب هذا تقهقر فكري وثقافي
والعوالم أحيانا قد ينطقون بأشياء أكثر وجاهة مما يقوله بعض المثقفين.
محمد أركون: نعم ألح على "الأنثروبولوجيا" لأنه هو العلم الوحيد الذي يعطينا المفاتيح اللازمة والمناسبة لاكتشاف الثقافات الأخرى والمذاهب المختلفة والاهتمام بها، حتى لا ننظر إلى تلك الثقافات والمذاهب نظرة متعالية ومليئة بالازدراء، و "الانثروبولوجيا " مع الأسف لا تزال مجهولة كعلم ومادمنا لا نفتح أبوابا الأنثروبولوجيا سيبقى تفكيرنا ضيقا وسيصاحبه دائما ما لا يمكن التفكير فيه لأننا نعرض عن ميادين عديدة من التفكير ونفضل أن نجهلها ونعزلها وننقطع عنها على الإهتمام بها والاستفادة منها،
كأني أنا ملك من الملائكة خلقت لأعيش مع الله، وليرفعني الله إليه، والآخرون هم الشياطين, لا.. هذا كلام حرب ولا يؤدي إلا إلى الحرب وتجهيل الناس وهذا يؤدي لامحالة إلى حروب مدنية كالحروب التي نشاهدها في الكثير من
البلدان الإسلامية وغير الإسلامية.
دكتور محمد: قلت في تمييزك بين القرآن الكريم والطاهرة القرآنية أنك تقصد الفرق بين تغذية الروح الإسلامية بكلام الله تعالى ودراسة النصوص القرآنية كما ندرس الظاهرة الفزيائية أو البيولوجية أو الاجتماعية أو الأدبية ألا يعتبر هذا تعديا على قدسيتها التي تنطوى على بعد غيبي إيماني معجز؟أركون: لا أرى أين هو التعدي على قداسة النص. جميع المفسرين فسروا النص وقراءة نحوية وقراءة تاريخية واسقطوا على النص القرآني أشياء تتعلق بالأمور الدنيوية، فأين الفرق مثلا بين التفكيك الذي هو عملية علمية وبين تفسير الطبري أو تفسير فخر الذين الرازي، هل اخترق الرازي أية قداسة للقرآن , بالنسبة لي لا أرى أين هو الخلاف، هذا من باب تخوف المسلمين، بل إن هناك من يتلاعب بالنص المقدس ويوظفه لمصالح بعيدة عن أية قداسة هذا جرح للنص على عكس الذي يحترم النص في مستوى معانيه وقاعدته المعرفية ومقاصده الإلهية ويحترم كل هذا، فلا أرى خلافا مثلا بين قراءة ابن عربي وقراءة فخر الدين الرازي للنص، وبين القراءة التي أدعو إليها باستعمال أساليب ومناهج جديدة أحدثتها العلوم الاجتماعية والإنسانية, فكما أن فخر الدين فخر الدين الرازي كان يستخدم المعارف التي كانت لديه في زمنه من معارف طبية وعلم النجوم والرياضيات والجغرافيا والتاريخ, أستخدم أنا العلوم الحديثة الموجودة في عصوي فلا أمر خلافا بيننا هذا ما خلق التخوفات والتخويفات التي يحاول أن يفرضها علينا الخطاب الاسلاموي وليس الخطاب الإسلامي الذي يحترم احتراما كاملا كلام الله وقداسته وإنما يدرسه بالآلات التي تتوافر لديه في كل زمان من أزمنة المعرفة وتطورها.
++++++++++++++++
الداعيين الرئيسيين لإعمال منتجات الفكر العلمي النقدي لتفكيك واعادة بناء تصوراتنا وتمثلاتنا عن الفكر واللاهوت الاسلاميين خصوصا وان المنهجية الكلاسيكية التي تتكئ على الفكر الدوغمائي انتشرت واستولت على افهام الناس وحصرت تفكيرهم في مسلمات يقينية ايمانية يصعب التشكيك فيها بالنسبة للمؤمنين بها ، لذلك تصدى محمد اركون بشجاعة وبفكر تنويري تحرري في كتاباته العديدة المنتقدة للعقل الدوغمائي المسيج لاي افكار تحررية ، لذلك قال محمد اركون في بداية كتابه قضايا في نقد العقل الديني ،؟ كيف نفهم الاسلام اليوم؟ مايلي[1] :”ان الصعوبة الكبرى التي تواجهنا هنا تكمن في كيفية تحرير العقل النقدي من القيود الابستمية و الابستمولوجية التي فرضها العقل الدوغمائي على جميع الممارسات الفكرية والثقافية التي قام بها الفكر البشري منذ انتقاله من المرحلة “البدائية” او “الوحشية” (بحسب مصطلح كلود ليفي ستروس) الى مرحلة الزراعة المدنية…… الواقع ان العقل الدوغمائي اغلق ما كان مفتوحا ومنفتحا . وحول ما كان يمكن التفكير فيه بل ويجب التفكير فيه الى ما لا يمكن التفكير فيه. ونتج عن ذلك تغلب ما لم يفكر فيه اثناء قرون طويلة على مايجب التفكير والابداع فيه “. استطاع محمد اركون بمنهجه النقدي ان يعيد صياغة تساؤلات ممنهجة عن مسلمات طالما اعتبرها العقل المستكين الى المسلمات يقينا ، لذلك استعان محمد اركون بعدة علمية تضم علم الفيلولوجيا وعلم الانثربولوجيا والسوسولوجيا وبالعلوم الانسانية الاخرى في تحليل الخطاب والنص الدينيين وفي تحليل الظاهرة الدينية وتبنى في مقاربته التحليلية ما اسماه بالتمرد العقلي ضد الممارسات الاعتباطية للعقل والاعراض عن قوانين البحث العلمي . [2] “لقد سبقنا ابو حيان التوحيدي الى مثل هذه الاشارات والتنبيهات ، واظهر دور التمرد العقلي ضد الممارسات الاعتباطية للعقل ، والاعراض عن قوانين البحث العلمي المعتمد على المناظرة المتقيدة بشروط علمية واخلاقية واجتماعية مضبوطة.رحم الله ابا حيان الذي علمني القيمة الفكرية للتمرد العقلي اذا ما ضاق المجال امام الممارسة الهادئة و”المنهاجية ” للعقل.” بذل الدكتور محمد اركون جهودا مضنية من اجل انجاز نقلة نوعية في الفهم العلمي للدين الاسلامي حيث ناضل ضد الاطروحات الجاهزة والتصنيفات الكلاسيكية المكررة والمفاهيم السطحية الشائعة و طالب بقراءة علمية للنص الديني وفي صلبه القران الكريم لذلك دعا في عدد من كتاباته الى عدم ادعاء احتكار فهم النص القراني وادعاء استنفاذ كل معانيه وفهمه فهما مطلقا متعاليا عابرا لكل الازمان والحقب ، يقول محمد اركون [3] :” لقد آن الاوان لكي “يقرأ” المسلمون القران ، لكي يفهموه على حقيقته ، لكيلا يقولوه ما لا يريد قوله ، آن الاوان لان يكفوا عن اسقاط هلوساتهم السياسية عليه ،لان يعترفوا به ككتاب ديني اولا وقبل كل شئء .آن الاوان لان يروه في نسيجه اللغوي الحقيقي القائم على الرموز الرائعة والمجازات المتفجرة التي تسحر الالباب.”…وبالتالي فالخطاب المجازي او الرمزي لا يمكن اختزاله الى معنى احادي الجانب ، لا يمكن سجنه في قوالب جامدة كما فعل الفقهاء والمتكلمون والمفسرون الكلاسيكيون فيما بعد وذلك لتلبية حاجات المجتمع المفهومة في وقتها.” ولكنهم اذا اخذوا المعنى المجازي على اساس انه حرفي اعتقدوا انهم استنفدوا المعنى وهم لم يستنفدوه وانما قيدوه.” | |||
الجمعة، 10 ديسمبر 2021
تبنينا للحداثة المادية دون الفكرية لتلك الحداثة عمق تخلفنا محمد اركون
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق