الأحد، 17 نوفمبر 2019

نقد الموروث الديني: الحكمة قبل الفكرة ********

لم تنهض أمة من الأمم قبل أن تنقد موروثها الثقافي كله؛ وعلى رأسه الموروث الديني، لأن الموروث الديني يلعب الدور الأخطر في تشكيل الوعي الجمعي للمجتمع، وتحديد معايير ثقافته؛ بما فيها كل منظومة القيم التي تحدد المقبول والمرفوض، والجيد والرديء، والأخلاقي وغير الأخلاقي، والتقدم والتخلف، والنهضة والركود.. إلخ.

الموروث الديني هو المفتاح الأساسي؛ بل قد يكون المفتاح الوحيد عند بعض الشعوب للدخول نحو المستقبل أو إغلاق الباب دونه.
والنقد في معناه الدقيق مشتق من تمييز النقود، وبيان الصحيح منها والمغشوش، وتحديد أيها يعتبر عملة شرعية وصالحة، وأيها يعتبر عملة مزيفة وفاسدة، ولذلك النقد يكون هادفاً إلى فرز وبيان الأفكار الجيدة من الأفكار الرديئة، بحيث يتم وضع يد المجتمع على القيم والمعايير، والأفكار الصالحة والصحيحة فيتعلمها ويطبقها، وكذلك بيان الأفكار الميتة فيتجاهلها ويتركها، والأفكار القاتلة أو المميتة فيتجنبها، ويبتعد عنها، ويعزلها، وقد كتب المفكر الجزائري المرحوم "مالك بن نبي" كثيراً عن الضرر الذي تسببه الأفكار الميتة في المجتمع، والخطر الشديد لاستهلاك الأفكار المميتة أو القاتلة.
فالموروث الثقافي والديني الكوري، يشتمل على ثلاثة مصادر هي: التراث البوذي بكل حمولته الدينية والثقافية، والثقافة التي غرسها المستعمر الياباني في الشعب الكوري، والثقافة الأمريكية وديانتها المسيحية التي جاءت مع المهيمن الأمريكي بعد الحرب العالمية الثانية.
موروث ديني وثقافي معقد، ومربك لأي شعب، لأنه يشتمل على كل المتناقضات
بتشكيل لجنة وطنية من أفضل المفكرين والمثقفين الكوريين الجنوبيين، أطلق عليها لجنة "المصفاة الثقافية"، ولم ينشغل المفكرون والمثقفون في هذه اللجنة بنقد المستعمر الياباني وصب اللعنات عليه، وكذلك لم يشغلوا أنفسهم بمدح التنوير الأمريكي، والحداثة الغربية، وفوق كل ذلك لم يكيلوا الاتهامات لتاريخهم، ولا لديانتهم البوذية، ولم يقوموا بعملية نقد للأفكار البوذية، ولم يتهموا مفكريهم التاريخيين بالجهل أو الانغلاق.. إلخ.
كل ما فعلوه أنهم لم يشغلوا أنفسهم بمصدر الأفكار، أو من أين جاءت الأفكار، أو من صاحب هذه الأفكار، وإنما انشغلوا بالحكمة من وراء وجود هذه الأفكار، والحكمة من تعليمها، أو الحفاظ عليها، أو نشرها. كانت الحكمة وليس الفكرة هي جوهر اهتمامهم، ومحط نظرهم، وغاية وظيفتهم.
خلصت لجنة "المصفاة الثقافية" إلى أن كل الأفكار والقيم الموجودة في المجتمع الكوري في بداية ستينيات القرن الماضي، أياً كان مصدرها: بوذي أو ياباني أو أمريكي؛ لابد أن يتم النظر في وظيفتها في المجتمع، وتأثيرها على الفرد، ودورها في صناعة المستقبل، وما تقدمه لإطلاق عملية تنمية وإنتاج وابتكار تنقل كوريا إلى مصاف الدول المتقدمة.
وهنا خلصوا إلى أن كل هذه الأفكار والقيم تنقسم إلى ثلاث فئات هي:
أولاً: القيم والأفكار الوظيفية، أي التي تسهم في صناعة إنسان عصري، محافظ على هويته، قادر على التعامل بإيجابية مع الحضارة الحديثة، وقادر على التعلم والابتكار، والإنتاج والإضافة إلى مجتمعه، والمساهمة الإيجابية مع باقي المجتمع، التعايش الفعال مع جيرانه وأقرانه.. إلخ.
ثانياً: القيم والأفكار غير الوظيفية، أي التي تعيق الإنسان عن تحقيق كل ما جاء في الفئة السابقة، أي تدفعه إلى السلبية، والانغلاق، والتعصب، ورفض الآخر، وعدم التعاطي الإيجابي مع العصر، ومع الحداثة بحجة المحافظة على الهوية والذات، وبذلك تنتج هذه القيم والأفكار إنساناً سلبياً معيقاً للتقدم والتنمية في أفضل الأحوال، ومدمراً لها في أسوأها.
ثالثاً: القيم والأفكار المختلطة، أو ذات الوجهين، وهي تلك التي تشتمل على جوانب وظيفية، وجوانب غير وظيفية، وذلك مثل قيمة "احترام الكبير"، فهي قيمة وظيفية لأنها تحافظ على تماسك المجتمع، وتعاونه واحترام أعضائه بعضهم بعضاً، ولكن لها أبعاداً سلبية أهمها: الجمود الإداري، وعدم الابتكار، وعدم المنافسة، وانعدام الدافع للإنجاز.
وكان القرار الكوري هو أن يتم دمج القيم والأفكار الوظيفية في مناهج التعليم، وفي الصناعات الثقافية مثل السينما والمسرح والأغاني.. إلخ، وفي الإعلام والأدب، وكل وسائل صنع الثقافة، أما القيم غير الوظيفية، فيتم تجاهلها وعدم التعرض لها؛ حتى تزول من الثقافة المجتمعية تماما، لأن نقدها ولعنها، وصب الغضب عليها سوف يبقيها حية، ويعيد إنتاجها، لأنها ستجد لها بين الشعب من يميل نفسياً وعقلياً لها، لذلك الحكمة تقول أن يتم تجاهلها تماماً.
أما القيم ذات الوجهين أو المختلطة، فيتم التركيز على الأبعاد الإيجابية فيها، ويتم تجاهل الأبعاد السلبية، حتى لا يعرف المجتمع منها إلا الجانب الإيجابي، ومع مرور الزمن تصبح قيماً وأفكاراً وظيفية بصورة كاملة.. وهكذا تم بناء النظام التعليمي والثقافي الكوري الجنوبي.. وهكذا انطلقت كوريا الجنوبية.
تعلمنا التجربة الكورية أن التعامل مع الموروث الثقافي والديني يحتاج إلى مزيد من الحكمة، وليس فقط مجرد بث أفكار جديدة؛ بصورة قد تؤدي إلى مزيد من التمسك بالأفكار الميتة، أو القاتلة إذا تم التعامل معها بصورة تفتقد الحكمة.
+++++++++++++++
نقد الموروث الديني
 بمجرد نقد بعض الانحرافات الفكرية العقائدية التي أصبحت بطريقة أو بأخرى جزءاً من منظومة الدين.. يتصور أولئك أن البناء الديني سيهدم بأكمله فوق رؤوس الأشهاد، وهم يعلمون علم اليقين أن هذه الانحرافات مشكوك في صحتها؛ لذا يرجئون حل هذه القضايا حيناً ويسوفونها الى أمد غير معلوم، خوفاً من ذلك حيناً آخر، هذا بمجرد المناقشة والاستماع الى النقد، فما بالك العمل على تغيير هذا الحكم الموروث وإرجاعه الى الجوهر الاصلي، أو قل تجديده وتطويره، ونسي هؤلاء ـــ وكما قال السيد فضل الله ـــ أن الدين يملك قوة التجديد والتطوير، بحيث يمكن أن تنتقد كل التراث الموروث ويبقى الجوهر الثابت أصيلاً.
تاريخياً، قامت عملية نقد التراث المسيحي في أوروبا في ما عرف باوفي المقابل، فقد قامت عملية نقد التراث الاسلامي في منتصف القرن الماضي على يد مجموعة من علماء حركة النهضة مثل الافغاني ومحمد عبده ورشيد رضا وغيرهم، التي صبّت نقدها ليس على القرآن الكريم بالطبع، لكن بحق الموضوعات المنتشرة في كتب الحديث والتفسير كالإسرائيليات وغيرها، ونبهت على ضرورة تطهير الفكر الاسلامي من مخلفات التاريخ وعبث يد الأنظمة المتعاقبة التي امتدت ظلالها عليه، والتي استمرت تلقي بظلالها على الواقعين الثقافي والديني للمسلمين حتى الآن.
وهناك بلا شك العديد من تلك القضايا السالفة الذكر، التي ما زالت عالقة، والتي تمثل انحرافا عن الاهداف السامية التي من أجلها بعث المولى القدير الانبياء والرسل، ويعاني منها بالفعل رجال الدين المتنورون من جميع الاديان والمذاهب، والذين انبروا بكل جرأة وشجاعة لتغيير الواقع المؤلم وإبراز الأصل المستنير، وبالطبع فهم لم يسلموا من الانتقادات اللاذعة من اصحاب التفكير الاحادي المتزمت والذهنية المقفلة التي لا تنفتح على مواقع التحدي، وقد وصل الامر إلى أن يطلق على احدهم لقب «الضال المضل» بسبب آرائه النقدية وتفسيره بعض القضايا العالقة المغايرة للإجماع التي اعتبرها البعض للاسف من صلب الدين.
لنقد الاعلى والنقد الأدنى، التي حاربتها الكنيسة آنذاك دفاعا عن الموروث الديني، انتهت الى انتصار حركة نقد التراث وتحرر أوروبا من تخلف القرون الوسطى.
أعتقد أنه آن الأوان للعمل على تغيير تلك المعتقدات البالية التي ظلت لقرون عدة تراوح مكانها، وألا ننسى أننا في زمن الطفرة التكنولوجية التي أصبح الجيل الجديد يتقنها بمهارة وذكاء، حيث بإمكانه الوصول الى أي معلومة بلمسة زر، وألا نكتفي بعملية جلد الذات التي ظللنا لسنوات طويلة نمارسها.
أعلم أن الأمر غاية في الصعوبة وأن سالك هذا الطريق لا يسلم من الأذى.. لكن، هل نصرّ على اجترار شعارنا بذهنية الجاهلية الاولى التي أوردها القرآن الكريم «إنّا وجدنا آباءنا على أمة وإنّا على آثارهم مقتدون»؟ أم نعمل على التجديد والتطوير حفاظاً على الجوهر، ولعلنا في مقالة أخرى نضع اليد على الجرح، فنسلط الضوء أكثر على هذه القضايا الموروثة وأسباب الاعتقاد بها والتمسك بتلابيبها، حتى أصبحت ــ للأسف ــ جزءاً من التراث.
+++++++++++++++
ضرورة نقد الموروث والتجديد الفقهي

يعرف الموروث بأنه إجماع على ما تم التعارف عليه في المجتمعات، وهو منطق الأقوى في المجتمعات غير النامية حتى وإن لبست بعض مفاهيمه قيما تحاكي في بعض جزئياته أحكاما شرعية أو وضعية. لذلك فإن الاحتكام للموروث في حال الدول الحديثة يعد معيقا لتفعيل إرادتها المعبرة عن إرادة المجتمع. وغالبا ما تقود اجتهادات منطق الموروث لعصبيات فردية وأخرى مذهبية تسمو لتقديس يتعارض مع كل الثوابت الروحية منها والوضعية.

سبب تخلفا واضحا في عقول القطيع التابع لهم بسبب القداسة الكهنوتية للمورث، ولو عارض دليلا صريحا صحيحا من كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - فقتل الأبناء للآباء وحرق الأسرى والتمثيل بجثث الموتى لها في التاريخ الموروث أمثلة وأشباه تبررها، كما للغدر والغيلة والانتحار في الفقه الإسلامي «المؤدلج» تبريرات، وبهذا وذاك تم تشويه صورة الدين الإسلامي، وأصبح في نظر بشر منافاته للإنسانية.

والحل لتصحيح هذا المفهوم الخاطئ هو دراسة نقدية للموروث وتجديد للفقه الإسلامي وإصلاح للخطاب الديني.

فلا يختلف أحد أن دين الإسلام صالح لكل زمان ومكان، ولكن الأحكام الاجتهادية ومسائل السياسة الشرعية منوطة بزمانها،



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق