Dec 15, 2020
ثبت أن الكثافة السكانية لها فوائد صحية وبيئية عديدة مدهشة. فقد خلصت دراسة إلى أن متوسط العمر المتوقع عند الولادة أعلى بنحو عامين ونصف في المدن ذات الكثافة السكانية العالية مقارنة بالضواحي الواسعة ذات الكثافة السكانية المنخفضة. إذ يتمتع سكان هونغ كونغ، التي تعد واحدة من المدن الأكثر اكتظاظا بالسكان على وجه الأرض، بأعلى متوسط عمر متوقع في العالم.
قد يعزى ذلك إلى أنماط الحياة في المدن. وتقول حميدي: "إن سكان المناطق المزدحمة أكثر حرصا على ممارسة الأنشطة البدنية، لأن الكثافة السكانية تتيح لنا فرص عديدة لنكون نشطين بدنيا، مثل ممارسة المشي وركوب الدراجات والجري بدلا من قيادة السيارات. وربطت دراسات بين التوسع العمراني والتشتت السكاني في الضواحي وبين ارتفاع معدلات الإصابة بالسمنة وداء السكري وأمراض القلب والأوعية الدموية، وكل ذلك بسبب توزيع المباني على مساحات واسعة وبُعد المسافات".
تتوفر في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية في الغالب خدمات صحية أفضل ومرافق أكثر تطورا وخدمات أكثر تخصصا، فضلا عن أن الاستجابة لحالات الطوارئ في المناطق المزدحمة أسرع منها في المناطق منخفضة الكثافة السكانية. وأشارت دراسة إلى أن سكان الضواحي ذات الكثافة السكانية المنخفضة، أكثر عرضة للإصابة أو الموت جراء حوادث السيارات من نظرائهم في المناطق المزدحمة بثلاث مرات.
خلصت دراسة أجرتها جامعة أكسفورد وجامعة هونغ كونغ على 22 مدينة بريطانية إلى أن معدلات السمنة كانت أكثر انخفاضا بين سكان المناطق الأكثر ازدحاما بالسكان مقارنة بالمناطق التي تتوزع فيها المنازل على مساحات واسعة.
هذا يرجع إلى نزوع سكان المناطق المزدحمة في وسط المدن إلى الحركة وقلة اعتمادهم على السيارات في تنقلاتهم. ويقول كريس ويبستر، أستاذ التخطيط العمراني واقتصادات التنمية بجامعة هونغ كونغ: "إن المناطق ذات الكثافة السكانية الأعلى تتوفر فيها في الغالب المواصلات العامة، ويتطلب ركوب المواصلات العامة دائما المشي".
وتلفت لايلا ماكاي، مديرة مركز التصميم العمراني والصحة النفسية، إلى مزايا أخرى للسكن في المدن المزدحمة، وهي أن الشوارع النابضة بالحيوية تتيح فرصا للتفاعل الاجتماعي الإيجابي وتحد من العزلة.
يقول وهبة إن مزايا العيش في المدن لا تضاهى، بدءا من القرب من العمل وتوفر وسائل الرفاهية وجودة العيش وحتى التنوع الثقافي.
وترى شيما حميدي أن الانتقال إلى منطقة في قلب المدينة يتيح الفرصة لممارسة رياضة المشي أو ركوب الدراجة أو الجري واستخدام المواصلات العامة ووجود متاجر مواد غذائية ومطاعم ومقاهي على بعد خمس دقائق سيرا.
غير أن تحقق هذه المزايا في المدن المزدحمة مرهون بالتخطيط العمراني الجيد والبنية التحتية القوية وتوفر المساحات العامة، وإلا قد تتفاقم مساوئ العيش في المدن، من الازدحام والتلوث ومعدل الجريمة والعنف، حتى تخرج عن السيطرة.
إذا عجزت البلديات عن تخطيط الأحياء وتوفير الخدمات، ستظهر مشكلة التوسع العمراني العشوائي، إذ يتركز السكان في أزقة أو يستولون على أراض بوضع اليد. فالكثافة السكانية تصبح مضرة في حالة غياب الإسكان الملائم والبنية التحتية اللائقة والتخطيط ونقص المساحات العامة ووسائل الراحة والرفاهية".
ويؤثر تفاوت مستويات الدخول على جودة حياة السكان في المدن وصحتهم. فانخفاض الدخل يؤثر على نوعية النظام الغذائي، وتفتقر الأحياء الفقيرة في الغالب إلى المساحات الخضراء ووسائل الراحة، وترتفع بين سكانها معدلات الإصابة بالأمراض المزمنة، كما يفتقر السكان للتأمين الصحي. وتعيش الأسر الأقل دخلا في الغالب في وحدات سكنية مزدحمة، قد تجعل السكان أكثر عرضة لانتشار الأمراض المعدية مثل كوفيد-19. وأشارت دراسات إلى أن معدلات الوفيات في المناطق الفقيرة أعلى منها في المناطق الأكثر ثراء بمقدار الضعف.
تكاليف الإسكان أحد تحديات العيش في المدن المزدحمة. وتقول حميدي: "الضرائب على العقار والإيجارات الشهرية أعلى في الغالب في المدن، فضلا عن أن الوحدات السكنية أصغر نسبيا في المدن مقارنة بالضواحي".
المنظومة الراسمالية منتج ومستهلك ستنهار من الة الطباعة والاقتصاد الوهمي لسيطرة الاقلية ***في يوم ما سيحدث تضخم مهول ان اخد المال غير العقلاء والسذج موزعه علي الفقراء بغير عقل
ومع ذلك، تقول إيفا لي، التي تعمل في القطاع المالي، إنها لا تخطط للانتقال من المدينة رغم أنها كانت أشد تضررا من الوباء ومن الاضطرابات السياسية. وتبرر ذلك بالقول: "معظم الأشياء التي أحتاجها على مرمى حجر من منزلي. أنا أكره العيش في مكان أضطر فيه أن أقود سيارتي للحصول على منتجات البقالة".
تأمل إيفا أن يسهم الوباء في توجيه المزيد من الاهتمام إلى المناطق المزدحمة التي يعيش فيها الناس في غرف ضيقة أو أقفاص، كونها تمثل بؤرة لانتشار الأمراض.
بغض النظر عن مزايا وعيوب المدن، فإن الكثيرين أعادوا النظر في أوضاعهم المعيشية في أعقاب الوباء. لكن كيف سيؤثر ذلك على مستقبل المدن؟
من المستبعد أن تفقد المدن الكبرى جاذبيتها. فالمدن هي المرادف للتنمية الاقتصادية والصحة والثراء الثقافي، كما يرتبط الازدهار ارتباطا وثيقا بالتجمعات السكانية. فكلما زاد عدد الناس في البلدة أو المدينة، زادت جودة الخدمات الثقافية والترفيهية والرعاية الصحية وغيرها ** لذلك ازدهار الطب بالقاهرة
اقتصاديات المدن
ويمكن تفسير الارتباط الإيجابي بين الإنتاجية وعدد السكان بعدة طرق. أولها أن تجمع الشركات ذات القطاعات المتشابهة وتركزها في مكان واحد يزيد من تنافسيتها. كما أن وجودها في ذات المنطقة الجغرافية يجعلها تتشارك في الخدمات المساندة التي تحتاج لها، مثل الخدمات اللوجيستية والقرب من الموردين. كما أن التركّز الجغرافي يخلق ثقافة لهذه القطاعات في المناطق التي تتركز فيها، وهو ما يزيد من تبادل الأفكار ويعطي مجالاً أكبر للإبداع والابتكار. ولا ينحصر هذا الاجتماع في الشركات ذات الأنشطة المتشابهة، بل حتى وجود شركات متعددة القطاعات في منطقة واحدة يعطي جاذبية لانتقال المواهب لهذه المنطقة، ويزيد من النشاط الاستهلاكي والاقتصادي فيها.
إن من الصعوبة إغفال الأهمية الاقتصادية للمدن، وفي أكبر 600 مدينة في عالم اليوم، يعيش أكثر من 20 في المائة من سكان العالم، وينتج أكثر من 60 في المائة من إجمالي الناتج العالمي. هذه الأرقام في ازدياد مستمر، وقد يكون توسع بعض المدن على حساب بعضها الآخر، والذي قد يتضرر كثيراً من نزوح السكان منه. ولذلك فإن الجذب المستمر للسكان مهم جداً، ولا بد من أن تكون هذه الزيادة تدريجية حتى لا تستفيد مناطق على حساب أخرى. وأن تتوازى هذه الزيادة مع تطوير في البنى التحتية من مواصلات واتصالات ومياه ومساكن. وإلا فإن رؤوس الأموال لن تجد جاذبية في هذه المدن، خاصة أنها تلتفت وبشكل كبير للمواهب التي يهمها كثيراً هذه البنى التحتية. كما أن خلق ثقافة لريادة الأعمال مهم جداً في المدن، لا سيما مع كون الشركات الناشئة جزءاً مهماً من الاقتصاد العالمي.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق