لدرجة يسحُّ فيها الجامع في الشارع في صلاة الجمعة. والمفارقة أنَّ هذا التزايد في إقامة الشعائر التي تخص الفرد يرافقه تناقص في القيم الحاكمة للسلوك العام في المجتمع، من فساد ورشوة وامتلاء الشارع العام بالنفايات (الفعلية والفكرية معاً)، فكيف يزدان المظهر ويضمحل الجوهر؟ أو كيف تملأ الطقوس والشعائر دنيانا بينما تتقلَّص مساحات الحلال والحرام؛ أي تنهار منظومة القيم الحاكمة لسلوك الناس؟
قضية حرية الرأي، ولا تعاقب بشكل جدي على إلقاء القمامة في الشارع.. تعاقب على ما تظنه أذى ينتجه العقل، ولا تعاقب على أذى الطريق والطريقة. ظني أن هذا التناقض يحتاج إلى تفسير، ليس تفسيراً دينياً، وإنما تفسير اجتماعي سياسي ثقافي.
كان يلبس جلبابه الأبيض في طريقه إلى الصلاة، وبيته نظيف مرتب (الخاص)، وما حوله مساحات من عطن وفساد تشتم رائحتها من بعيد (المجال العام). فقلت له إنَّ في أحواله وبيته لرمزية كبرى لحياتنا... نظافة في الخاص واتساخ في العام، وإذا كانت السياسة والاجتماع هما المجال العام،
ركَّز المسلمون على مظاهر الدين على مستوى الفرد، وفشلوا في تبني جوهر الدين وقيمه التي تنظم المجال العام. إذا كان الدين تهذيباً للنفوس، فلماذا سيكون تهذيباً داخل البيت، وفساداً وإهمالاً في المجال العام؟ وإذا كان الدين للناس كافة (العام)، فلماذا نحصره في مظاهر الخاص؟ وإذا ذهبنا إلى مفهوم الطهارة، فلماذا أيضاً طهارة الخاص ونجاسة العام؟ لماذا نغتسل في بيوتنا بينما نعرف أن مجرد خروجنا إلى شوارعنا يناقض ما فعلناه في الداخل؟ إن بداية الطهارة تكون في محيطنا الخارجي للحفاظ على طهارة المجموع لا طهارة الفرد.
، المجال العام نظيف لأن الجميع شركاء فيه، ولا يخص نخبة دون غيرها، فالوطن للجميع لا لمجموعة بعينها، والجميع يحافظ على طهارته ونظافته قدر الإمكان، وكذلك تكون السياسة التي هي انعكاس لسلوك الأفراد في المجال العام. وظني أن هذا صحيح الإسلام، أما الشعائر والطقوس التي يتباهى بها بعضنا فهي أمر شخصي لا علاقة له بعلم الاجتماع البشري، ولا بحسن الجوار ومشاركة الآخرين في أرض أراد الله لنا أن نعمرها، لا أن نجعلها مقلباً للنفايات الفكرية واللفظية والفيزيائية.
فكيف ننتقل - نحن المسلمين - في بداية عام جديد من مجال التباهي بالشعائر إلى مجال الالتزام بالقيم والشرع؛ والشرع هنا أوله الالتزام بالقانون الحاكم للمجتمع.
وفي القرآن الكريم سورة كاملة هي سورة «المنافقون»
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق