النقص الكبير (The Big Short)
الفيلم مبني على قصة حقيقية عن أشخاص توقعوا الأزمة المالية العالمية، السيناريو، المليء بمصطلحات اقتصادية معقدة، عبقري لدرجة أنه حصل على جائزة الأوسكار كأفضل سيناريو أصلي لعام 2016. ليس عليك أن تعرف القصة كلها، ما يهمنا في الفيلم هو سؤال كيف تطورت منظومة الرهن العقاري إلى هذا الوحش الذي دمر الاقتصاد العالمي؟
في السبعينات من القرن الماضي، كانت معدلات الفائدة على الودائع منخفضة جدًا، كان الحل ربط الرهن العقاري بالسندات، لماذا كان هذا حل مثاليًا؟ نشاط الرهن العقاري يعتمد على فرضية أن مواطنًا حصل على قرض ليشتري منزلاً، والمنزل هو الرهن، في حالة فشل السداد يحصل البنك على المنزل، والمنزل سعره يرتفع باستمرار، لذا فاحتمالات فشل تحصيل قيمة الرهن تبدو مستحيلة. بهذا المنطق فإن كل البنوك التي تستثمر في الرهن العقاري أو التأمين على الرهن العقاري ستجني أرباحًا ولن تخسر أبدًا، والمودعون والمستثمرون الذين يضعون أموالهم في هذه البنوك، سيجنون أرباحًا ولن يخسروا أبدًا، فكيف حدثت الأزمة إذن؟
هنا يأتي دور اللصوص
بالطبع المواطنون الفقراء غير قادرين على سداد قرض منزل، ولكن هذا أمر غير مهم، إذا فشلوا في السداد سيحصل البنك على المنزل. اللصوص، العاملون بشركات الرهن العقاري والبنوك ومؤسسات التصنيف الائتماني، تلاعبوا، وقالوا إن الفقراء قادرون على السداد، وأقنعوا المدخرين والمستثمرين بذلك، وهؤلاء وضعوا أموالهم في البنك.
هناك 3 أبطال للفيلم توقعوا حدوث الأزمة المالية العالمية، لأنه ببساطة الفقراء لن يستطيعوا السداد. ولأن البنوك أقرضت الفقراء بغزارة، فإن عدم سداد نسبة معقولة منهم تعني انهيار البنوك بالكامل، ولأن البنوك هي أكبر قطاع في الاقتصاد فسينهار الاقتصاد، وإذا انهار الاقتصاد الأمريكي تحدث الأزمة المالية العالمية.
الثلاثة هم عالم اقتصاد منطو، ومستثمر يكره حياة وول ستريت، ومصرفي عبقري يعرف كيفية تلاعب البنوك بالأفراد، ولهذا ترك وظيفته واختار العزلة. الثلاثة يجمعهم أنهم يرون الأرقام بشرًا، وهو ما استطاع مخرج الفيلم «آدم مكاي» أن يظهره بشكل رائع بالصورة والكلمة:
رهن عقاري نسبة سداده 50% = رب أسرة يربط حزام الأمان لولده في رحلة ابتعاد سيارته عن منزله الذي فشل في سداد قيمة رهنيته. 1 % بطالة = وفاة أربعين ألف شخص. إفلاس بنك = موظف محبط وثائر في آخر يوم عمل له.
ورغم وضوح هذه التشبيهات إلا أن الناس في العادة لا يرونها، لأن العاملين في قطاع الأعمال يذكرونها بشكل معقد إحصائيًا واقتصاديًا، وهو ما أبرزه الفيلم في جملة: «المصطلحات المعقدة تظهرك غبيًا، العاملون في وول ستريت يحبون استخدام هذه المصطلحات المربكة، حتى يقنعوك أنهم فقط من يستطيع فعل ذلك
لم يتوقف الفيلم عند انتقاد المصطلحات الصعبة فقط، بل قام بشرحها بطريقة لطيفة للغاية، ومنها شرح كيف يتم تجميع عدد من السندات مختلفة الجودة السيئة وطرحها في ورقة واحدة، هذا يعني بلغة الفيلم المرحة أن يقوم طباخ بجمع السمك سيئ الطعم (الديون المشكوك في تحصيلها) وعمل نوع جديد من الشوربة (ورقة مالية اسمها الالتزام بضمان الرهون)، والناس ستحب تجربتها والمخاطرة بها، والمطاعم «البنوك» تأمل ألا يأتيها سمك سيئ كل يوم، ولكن الأمنية لا تتحقق، وتقدم الشوربة مرة أخرى للزبون. الفيلم أيضًا قام بشرح سوق المشتقات المعتمدة على التوقعات بألعاب القمار، وغيرها من الدروس الرائعة التي أوضحت أن استخدام الألفاظ المعقدة الغرض منه هو الاحتيال فقط.
سبب آخر من أسباب الأزمة المالية هو، المكابرة، وعدم الاعتراف بالجريمة، كان سوق العقارات ينهار، ولكن رجال السوق كانوا مصرين على أن انهيار القطاع فرصة كبيرة لصناعة المال، لأن من سيستثمر وقت الانهيار سيجني الكثير وقت الصعود. أما آخر الأسباب فكانت تواطؤ الحكومة عن طريق السكوت أو دعم هذه المصارف بأموال دافعي الضرائب.
*
(Ramin Bahrani) فيلما عن مأساة شخصية لإحدى ضحايا الأزمة المالية في فيلم "99 منزل" (99 Homes)، عن البطل الذي يخسر وظيفته ويضطر للعمل عند وسيط العقارات من أجل أن يضمن بقاء عائلته في المنزل، والإجابة المُماثلة في فيلم "مكالمة هامشية" (Margin call) بطولة كيفن سبيسي، الذي تدور أحداثه داخل بنك استثماري أميركي خلال الأربع والعشرين ساعة الأولى للأزمة نفسها، ثم هناك الفيلم الوثائقي الاستقصائي الذي لاقى نجاحا نادرا "إنسايد جوب" (inside job)، ورغم الجودة الفنية العالية، والجهد المبذول في هذه الأعمال، فإنها نادرا ما جذبت اهتمام أحد خارج المهتمين بالأزمة الاقتصادية نفسها، هنا ربما تكمن أهم أسباب تميز فيلم "العجز الكبير" (The big short) للمخرج آدم مكاي.
المصارف توسعت في إقراض عدد واسع من الناس من أجل شراء عقارات ضمن شروط غاية في السهولة، ثم قامت بتحويل تلك القروض إلى سندات وأوراق مالية وقامت ببيعها لمستثمرين، فأقبل الناس على الاقتراض لشراء العقارات، وأقبل المستثمرون على شراء تلك السندات/الديون، بالتالي؛ تحمست الشركات العقارية في بناء العقارات والمجمعات السكنية الجديدة لتغطية الطلب المتزايد، وأخذ يتوسع السوق العقاري بدعم من نظام الرهن والقروض المصرفية، لكن هذا ليس كل شيء.
ما تقوله مارجريت روبي في ظهورها المسرحي والوحيد طوال الفيلم إن المصارف توسعت في الإقراض بشروط متساهلة ومقابل ضمانات ضعيفة جدا، وسمحت بقروض عالية المخاطر بشكل مفرط، فقط من أجل خلق مزيد من السندات المدعومة بالرهن العقاري وبيعها للمستثمرين على أنها قروض مضمونة وبتقييمات أمان عالية، وهو ما نلاحظه في حوار مايكل بوري اللاحق مع أحد كبار المستثمرين لديه أن السندات أو الأوراق المالية تحمل بداخلها قروضا عالية المخاطر تُنذِر بانهيار سوق الأوراق المالية والسوق العقاري في وقت واحد، لكن كيف حدث هذا الخطأ؟ كيف تتصرف المصارف بمثل هذا التهور؟ هل هناك مَن يهتم بإجابة سؤال مثل هذا؟!
ليس ما تعرفه هو ما يوقعك في المشكلات، بل ما تظن أنك تعرفه".
تلك السندات ستفشل، وأن المستثمرين والبنوك سوف يخسرون أموالهم التي أقرضوها من أموال المودعين، وأن المقترضين سوف يخسرون منازلهم، بالتالي سيخسر المودعون العاديون، الذين هم خارج هذه اللعبة تماما، أموالهم التي أودعوها في البنوك، البنوك التي ستُفلس بدورها، وهو ما يعني في المحصلة النهائية كارثة اقتصادية ضخمة.
طبيعة التعاقدات، وأنظمة التسليف والتمويل البنكي لمشاريع الإسكان، ومستوى دخل السكان الذين استلموا القروض واشتروا العقارات، ومدى قدرتهم على سداد تلك القروض، هنا تحديدا صعق مارك بوم وفريقه من أن توقعاتهم وحدسهم البدائي بفساد هذا العالم كانت أصدق مما تخيلوا.
لحظة دخول فريق مارك بوم إلى العالم الحقيقي الذي شكّلته القروض البنكية)
كل تلك المنازل الفارهة والشقق السكنية المترفة تُخفي وراءها شبكة واسعة من مُستغلِّي القروض من السماسرة والمستثمرين الصغار الذين اقترضوا بلا حدود بضمان العقارات، ومن ثم قاموا بتأجيرها بأسعار أعلى، وفي هذا السياق قامت شركات للوساطة العقارية بالوساطة بين البنوك وشركات العقارات وبين الناس العاديين الذين يحلمون بسكن جيد، وتسابقت لتقديم أكبر عدد ممكن من القروض دون ضوابط أو ضمانات تقريبا لكل مَن يحلم بسكن أميركي نموذجي دون أن يملك القدرة على تحمل تكلفة كتلك بمستوى عالٍ من المخاطر وأحيانا بلا ضمانات من دخل أو ملكية، ثم يقومون ببيعها للبنوك التي تشتريها منهم بأموال المودعين، ومن ثم تقوم البنوك بدورها ببيعها لمستثمرين وصناديق استثمارية في أنحاء أميركا والعالم على أنها سندات ورهون عقارية آمنة
يُصبح لدينا عالم كامل بُنِيَ على أساس من عدد مهول من القروض غير قابلة السداد، أو ما يُسمى في علم الاقتصاد بالفقاعة المالية، وهي الآن على وشك أن تنفجر وتكشف النظام كله، والآن لدينا قصة حقيقية عن ثلاث مجموعات علمت بحدوث كارثة اقتصادية ستُحطِّم الاقتصاد والمجتمع الأميركي الذي يعيشون فيه، فما الذي ينبغي فعله في لحظة خطيرة مثل تلك؟!
مارك بوم وبن ريكرت لديهم حس سوداوي حول حجم الفساد الذي أصاب العالم، وأنه لم يعد هناك شيء حقيقي يُمكن فعله لإصلاحه وانتشاله من حجم الفساد والعفن الذي يغرق فيه، في الحقيقة طوال الفيلم يُحذِّرنا الاثنان من أن النظام كله مبني على الكذب والخداع، أما مايكل بوري العبقري الانطوائي فكانت مشكلاته أقل، هو فقط يفعل ما يجيده أكثر من أي شيء آخر، تحليل البيانات والأرقام ومحاولة البحث عن فرص للاستثمار، يفعل كل هذا وهو منعزل في عالم صغير بناه لنفسه بنفسه هربا من الحياة الاجتماعية التي يكرهها، فماذا فعل الجميع أمام تلك الكارثة القادمة؟
الحقيقة مثل الشعر؛ والغالبية من الناس يكرهون الشعر".
(The Big Short)
المفارقة في الفيلم في أنه لا أحد اهتم بلعب دور المُنقذ أو النبي، هناك تأكيدات واضحة طوال العمل أن تلك الشخصيات جزء من النظام، وحتى وإن أبى بعضهم ذلك، مثل مارك بوم، حتى وهم يرون أن الانهيار قادم، فإن هدفهم هو جني الأموال وتحقيق الأرباح بدلا من تحذير العالم من هذا الانهيار، لكنهم بالمقارنة مع الرجال المتهورين والمستهترين في المصارف الكبرى، الذين دمروا الموارد المالية لعشرات الملايين حول العالم، فإنهم يبدون نموذجا للشرف والاستقامة، في عالم رأسمالي صِرْف لا يهتم إلا بالأرقام وتحقيق والأرباح، خاصة عندما تصبح مخططاتهم الرائعة أثقالا حول أعناقهم، بينما ينهار العالم من حولهم.
تلك الفقاعة المالية التي خلقتها المصارف لن تهدم السوق العقارية والنظام البنكي فحسب، بل ربما ينهار الاقتصاد العالمي كله، بعد أن بلغ حجم الرهانات والتأمينات على سندات الرهن العقاري عشرين ضِعْف الحجم الفعلي لسوق الاستثمار العقاري الحقيقي،******************/////////////+++++++++++ وهو ما يعني حتما انهيارا ماليا عالميا.
مرحَى يا شباب، لقد قمنا برهان عظيم، ليس ضد النظام فقط، بل ضد العالم كله، أتعرفون ما المخيف؟ أننا قد نفوز بالرهان بالفعل".
(بن ريكرت، The Big Short)
حينما انقشع الغبار عن الانهيار، حقَّق كلٌّ من مايكل بوري ومايك بوم وبن ريكرت ومجموعاتهم أرباحا طائلة، لكن عشرات ملايين الناس حولهم خسروا وظائفهم ومدخراتهم وأموال تقاعدهم، وحتى منازلهم، وذلك في الولايات المتحدة فقط، دون الحديث عن غرب أوروبا والصين واليابان وشرق آسيا ودول الخليج. ترك بن ريكرت ومايكل بوري مجال التمويل بعد استلامهم أرباحهم، حيث اتجه مايكل للاستثمار في المياه، وبن ريكرت اتجه وهو زوجته للعيش في مزرعة كبيرة حيث يعيشون حياة نباتية اعتمادا على المنتجات الزراعية للمزرعة، أما مارك بوم فتحكي زوجته، سينثيا، أنه أصبح شخصا أكثر خفة وتصالحا مع نفسه ومع العالم، ولم يعد يتهم أي أحد بأي شيء، في الحقيقة، تقول سينثيا، لقد أصبح شخصا هادئا ولطيفا للغاية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق