الجمعة، 27 مارس 2020

بين الرأي والحديث.. لماذا وكيف تمذهب المسلمون ؟

إن مدارس أهل السنة منذ عصر الصحابة تقريبا وبصورة أوضح في عصر التابعين كانت ثلاثة .. هي مدرسة أهل الحديث أو أهل الاثر، التي أسس بذرتها عبد الله بن عمر في المدينة، وتبعه نافع وعطاء والثوري وابن عيينة وغيرهم، ومدرسة "أهل الفقه" أو أهل الرأي، التي أسس بذرتها عبد الله بن مسعود في الكوفة، وتبعه الشعبي والنخعي وحماد وربيعة الرأي وغيرهم.. 

ولما بلغ الخلاف بين المدرستين أشده، وظهر غلاة في كلا الجانبين، كما ظهر معتدلون أيضا، نشأت مدرسة ثالثة، حاولت الجمع بين المنهجين، وأبرز رواد هذه المدرسة الزهري الفقيه والمحدث، لتتبلور بصورة أوضح على يد تلميذه الشافعي، وعنها نتج تدوين علم اصول الفقه، فيما تبلورت مدرسة الحديث على يد مالك بن أنس في المدينة والأوزاعي في الشام، وغيرهما، كما تبلورت مدرسة الفقه على يد أبي حنيفة وتلامئته.

يشار إلى أن المدرسة الجامعة بين منهجي المحدثين والفقهاء ليست هي الصواب مطلقا في كل فروعها، ولكنها نشأت تاريخيا على هذا الأساس، أي الجمع بين المنهجين.

ومع توسع مدرسة الفقهاء في العراق وغلو بعض علمائها في إعمال الرأي في مقابل الحديث، ونشوء مذاهب من "غلاة المعتزلة" تدعو لإعلاء العقل فوق النص بالمطلق، انبعثت مدرسة الحديث في العراق بقوة، لا سيما مع قدوم الشافعي من الحجاز، عندما كان حديث عهد بمجالس مالك وموطئه، وتبلورت المدرسة الحديثية العراقية لاحقا في أحمد بن حنبل، ويحسب على هذه المدرسة أبو داوود السجستاني صاحب السنن، وأعلت هذه المدرسة من شأن الحديث إلى درجة تقديم الحديث الضعيف على القياس المستند إلى أصل صحيح، والأخذ بالحديث الضعيف مطلقا، ومن ثم نقل عن أحمد بعض الفتاوى المستغربة كما نقل عنه قولان متضادان في المسألة الواحدة كثيرا، وذلك تبعا للتعارض الظاهر بين أحاديث الآحاد، خاصة وأن بينها الأحاديث الضعيفة.

في المحصلة سنكتشف أن المذاهب الأربعة المعروفة ما هي إلا أقطاب العقل الإسلامي عبر التاريخ، وهي أيضا أحد أوجه هذه الأقطاب، التي كان لها جذور ومظاهر أخرى في ميادين شرعية أخرى، وترجع جميعها إلى أصل واحد تتفرع عنه وتختلف ابتداء منه، وهو منهج التعامل مع تعارض النص الشرعي، خاصة النبوي منه، مع الرأي.

فالمالكية هي المظهر الحجازي لمدرسة أهل الحديث، وهي وإن لم تنكر القياس إلا أنها لم تتوسع في إعماله، وتوسعت، عوضا عنه، في الاستصلاح، أو المصالح المرسلة، وكان لمبدأ عرف أهل المدينة والأخذ به لدى مالك أثر في رد المالكية لأحاديث آحاد على الرغم من صحتها، وهذا خلاف ما طبع معظم رموز هذه المدرسة سابقا.. وحتى لاحقا في المظهر العراقي من هذه المدرسة.

والحنفية هي المظهر السني شبه الوحيد لمدرسة أهل الفقه أو الرأي، إذ إن المعتزلة أيضا ينتمون إلى هذه المدرسة، لكنهم يصنفون في خانة الغلو على تفاوت بينهم، واتسمت الحنفية بإعلاء شأن القياس والاستحسان، وتوسعت في الأخذ بهما وشددت شروط قبول حديث الآحاد، فردت منه ما لم يحقق شرطها، إلا أن شيوع الحديث لاحقا في العراق، وتعرض هذه المدرسة لتجربة التشريع للدولة، منذ أبي يوسف الذي عين قاضي القضاة في بداية الدولة العباسية ولد لديها العديد من الترجيحات التي خففت من حدة التوسع في الرأي لدى هذه المدرسة، بالإضافة إلى التزام أبي حنيفة باحتهادات الصحابة فيما اختلفوا فيه مع عدم الخروج عنها، لكن الخلاف بينها وبين المدارس الأخرى لا يزال قائما، وبصفة ندية.

وأما الشافعية فمثلت االمذهب الذي حاول الجمع بين المنهجين، لكنه كان ميالا في الفروع العملية لمدرسة الحديث أكثر، وبسبب جهده في إحياء الحديث في العراق لقب الشافعي بمحيي السنة هناك، ولم يختلف في مذهبه الجديد في مصر عن هذا النهج سوى أنه غير رأيه في العديد من المسائل الفرعية، لكن أهم ما نتج عن هذه المدرسة هو علم أصول الفقه، فقد كان الهدف من الرسالة التي كتبها الشافعي هو تدوين الأصول المتفق عليها بين مدرستي أهل الحديث والفقه، وبث فيه أيضا اجتهاداته في مسائل أصولية أخرى، وقد كان يستنكر القول بالاستحسان ..

وأما الحنابلة فقد مثلوا بمذهبهم الجناح العراقي من مدرسة الحديث، وهي كما أسلفت من حيث الأخذ بالحديث مطلقا، وأنكر الإمام أحمد القياس وقال الحديث الضعيف خير عندي من رأي الرجال يعني القياس.. وهذه المدرسة وإن لم تأخذ بالقياس إلا أنها أخذت بالمصالح المرسلة جريا على منهاج المدرسة الحجازية، كما أن أخذها بالحديث مطلقا وآثار الصحابة كذلك وفر لها ثروة من الآراء الفقهية التي كان لها أثر في اختيارات بن حنبل.

في العصور اللاحقة، سار المالكية والشافعية في منهج أصولي واحد تقريبا، حتى كان بعض العلماء محسوبا على الشافعية والمالكية في آن معا.. واشتهر منهم العالم المحقق ابن دقيق العيد، لكن الخلاف في الفروع ظل قائما، في مقابل الحنفية التي أصلت منهجا آخر مقابل الأصول الشافعية، فيما ورث الحنابلة مدرسة الحديث عمليا، دون مساهمات أصولية مستقلة.

وقد تجسد الخلاف بين تلك المدارس في علم الكلام، الذي كان مرفوضا لدى أهل الحديث بعامة، ولكن الشافعية والمالكية بعد عصر الأئمة اقتحموه من أوسع أبوابه حتى تبلور هذا العلم على أيديهم ردا على المعتزلة وغيرها من المذاهب الكلامية، وظهر المذهب الأشعري في العراق والشام والحجاز ومصر والمغرب، بينما ظهر المذهب الماتريدي في بلاد فارس وما وراءها من بلاد الترك، وهكذا بات علماء الحنفية هم علماء الماتريدية، بينهم انتشرت الأشعرية بين الشافعية والمالكية.. وكان مذهب الأشاعرة والماتريدية مخالفا لمذهب المعتزلة، لا سيما في مسألة الصفات التي نفاها المعتزلة قطعا، فيما أثبتها الأشاعرة والماتريدية ابتداءا، لكن ضمن حدود تعرف في موضعها..

أما الحنابلة فقد تبلور مذهبهم العقدي عقب فتنة خلق القرآن التي أحدثها المعتزلة، عندئذ برز أحمد بن حنبل كأحد قلة من العلماء ممن قرر التصدي لهذه الفتنة وعدم الانسياق للسلطة، إلا أن ما جاء على لسان الإمام لم يكن واضحا كفاية، ومن ثم انقسمت المدرسة الحنبلية بعد أحمد إلى قسمين، تبعا لموقف كل منهما من مسألة الصفات في علم العقيدة، وتفسير كل منهما لمقولة ابن حنبل حول خلق القرآن، إذ قال عبد الله بن أحمد بن حنبل والأثرم وعدد من تلامذة أحمد بالتوسع في إضافة كل ما ذكر في النصوص من كتاب وسنة إلى قائمة الصفات الإلهية، دون الدخول في كيفية ذلك، فيما روى الخلال من ذات المدرسة عن أحمد آثارا تفيد بأنه أول بعض ما ورد، ونصر الخلال القول بتفويض المعاني، بدلا من إثباتها وتفويض الكيفية، الذي يقول به القسم الأول، وتبعه على ذلك ابن رجب الحنبلي وابن الجوزي .. وظل هذا الانقسام بين الجناحين حتى ظهور ابن تيمية وتصديه للمسألة بقوة، وتأصيله للقول بإثبات المعاني ومنع التأويل، والرد على من يقول بالتفويض فضلا عمن يقول بالتأويل.. وثارت بسبب ذلك فتن بينه وبين معاصريه من علماء المذاهب الأخرى، انتهت بحبسه وتلميذه ابن القيم الذي انتهج نهجه حتى مات الرجلان في السجن..

وتجسد الخلاف بين هذه المدارس مرة أخرى في الموقف من التصوف، والذي كان لمتأخري الأئمة في القرن الثاني مواقف متباينة منه، تبعا لاختلاف مشارب المتصوفة، فمتصوفة العراق كانوا موضع قبول بشكل عام، بدءا من الجنيد وانتهاء بالجيلاني، بخلاف متصوفة خراسان وفارس، وتبلور التصوف لاحقا على شكل طرق انتشرت بين أتباع وعلماء المذاهب الأربعة فما فيها الحنبلية، وإن بقي بعض العلماء من مختلف المذاهب خارجها، إلا أن تصدي ابن تيمية لغلاة التصوف ومنحرفي المتصوفة أسس جناحا حنبليا رافضا للتصوف بصورة عامة وقطعية، تبلور في دعوة 
ابن عبد الوهاب النجدية.

وعند ظهور محمد بن عبد الوهاب في نجد كان المذهب السائد هناك هو الحنبلي، وكان المجتمع مطبوعا بالبداوة، وكان حنابلة نجد من الجناح المثبت في مسألة الصفات، الذي ينهل من تراث ابن تيمية، وجمع ابن عبد الوهاب بصورة أساسية بين هذا الانتماء وبين التصدي للتصوف بشكل عام، إلى جانب التشيع، ونظرا لموقفه المناهض للدولة العثمانية، بحكم تصوفها وانتماء علمائها إلى المذهب الحنفي وهو أحد امتدادات مدرسة الرأي، وكذلك لكونهم ماتريدية العقيدة، فقد أيد خروج سعود الأول على العثمانيين، وعقد اتفاقا معه يقضي بالتأييد المتبادل بينهما، ومع بسط الدولة المنبثقة عن هذا الاتفاق نفوذها على معظم أرجاء الجزيرة العربية على يد الملك عبد العزيز، فيما يعرف بالدولة السعودية الثالثة، انتشرت المدرسة الجديدة، التي تضم المذهب الحنبلي، بجناحه القائل بإثبات الصفات، إلى الاتفاق، في معظم أنحائها، إلا أن مدرسة الحجاز احتفظت ببعض الاختلافات عنها، ولا يزال بعض علماء المدينة ومكة لا يعتنقون هذه المدرسة بصورة شاملة، وإن اعتنقوا بعض أسسها. والله أعلم


الخميس، 26 مارس 2020

مكتبة الشارقة

 إدارة “مكتبات الشارقة العامة”، التابعة لهيئة الشارقة للكتاب، عن فتح مكتبتها الإلكترونية “مجانا”، لجميع الأفراد والفئات العمرية في مختلف أنحاء العالم لمدة 3 أشهر، بدءا من أبريل حتى يونيو 2020، مقدمة 6 ملايين كتاب ومصدر معرفي إلكتروني، بأكثر من 10 لغات مختلفة.

وتتيح مكتبات الشارقة الوصول إلى مكتبتها الإلكترونية عبر التسجيل على الرابط الإلكتروني لها، ليكون القراء أمام 21 ألف محتوى علمي، وأكثر من 30 ألف مكتبة فيديو في شتى المجالات والتخصصات، إلى جانب 160 ألف كتاب إلكتروني، و5 ملايين رسالة جامعية عالمية، إلى جانب عدد من المخطوطات، والكتب النادرة، والكتب الإلكترونية والصوتية.


الاثنين، 23 مارس 2020

الليبرالية والفردانية في زمن كورونا.. هل يتغير التفكير الأناني لدى الأنظمة والمجتمعات؟************

ربما هي من المرات النادرة التي تعلن فيها أنظمة ديمقراطية حالة الطوارئ، ومنع التجول، ونزول الجيوش إلى الشوارع، دون أن يقف ضد هذه الخطوة التي تنتهك أبسط قواعد حقوق الإنسان، لا حزب معارض ولا منظمة حقوقية، ولا أي فئة بالمجتمع.

تعيش المجتمعات التي اجتاحها كورونا حالة من الذعر بأن يقضي الفيروس على شعوبها، وربما على الوجود الإنساني نفسه. وأعلن حظر السفر والتجول وأوقفت الفعاليات الثقافية والرياضية والفنية في العديد من البلدان، فهل انتهى عهد الحريات وحقوق الإنسان في الدول التي ناضلت طويلا من أجل أن تكون "كرامة الإنسان" فوق كل قانون؟ وكيف سيكون عليه حالها بعد زوال وباء كورونا؟

الخوف أمر طبيعي تجاه الكوارث الصحية والطبيعية، ومثلهما الخوف في زمن الحروب. 

 نشهد انتعاشا في الأصوات الدينية المتطرفة أو الأصوات الانعزالية والشوفينية"،

 الدول الغربية، أو الدول التي حصلت فيها عمومًا ثورات ثقافية كبرى عبر التاريخ،
 تستطيع أن تعيد ترتيب شكل مواجهتها للمخاطر بعد تجاوز اللحظة الإسعافية، أوضح الدكتور نهار أنها تستطيع ذلك، وأن مجتمعات هذه الدول ستعيد "قراءة الأزمة وأسبابها وتجلياتها بعد تجاوز الأخطار السريعة". 

 ستترتب على ذلك تغييرات في بعض المسائل، مثل الأنظمة الصحية، وطرق المواجهة الجماعية للكوارث على مستوى العالم، وأنظمة المطارات والسفر، ويمكن أن يفرض ذلك أيضًا إجراء تغييرات محدودة في سياسات عدد من الدول المتقدمة لمصلحة نظرة أكثر إنسانية، على اعتبار أن البشرية تعيش في عالم واحد، وأن أي خطر في أحد أجزائه يمكن أن يصيب بقية الأجزاء، إن كان على مستوى الصحة أو البيئة أو بؤر الصراع المنتشرة، "لكنها لن تصل في الحصيلة إلى مرحلة هدم النظام الليبرالي، وهو الذي لا يختزل فحسب بمظاهره الاقتصادية الجائرة".

جائحة كورونا فرضت معطيات جديدة على العالم بأسره، "ستكون بدون شك نقطة انطلاق لنقاشات عديدة في المستقبل عند انحسار الطوفان"

الصين مثلا تسعى اليوم، وبعد إعلان نجاحها التام في الانتصار على الوباء خلال فترة زمنية قياسية، إلى حصد النقاط السياسية على طاولة العولمة، وتتهم الدول القائمة على نظام الديمقراطية الليبرالية بالعجز عن احتواء الأزمات وحماية شعوبها بطرق فعالة". 

وتجد أن ذلك بمثابة "رد واضح" على فتح حكومات هذه الدول مرارًا لملف حقوق الإنسان في الصين، وأن "إعلام الدولة (الصينية) ذات الموروث الدكتاتوري تفرّغ الآن لتطهير سجله عبر هجومه إعلاميًّا على الدول المشغولة بمكافحة الوباء".

ترى سارة -وهي ناشطة في مجال الحريات- أن سبب انتشار فيروس كورونا من منطقة ظهوره الأولى في ووهان الصينية، يعود إلى "طبيعة المنظومة السياسية القمعية"، معتبرة أن غياب حرية التعبير "بسبب الرقابة الصارمة، ومركزية الدولة وعدم وجود سلطة حقيقية على المستوى المحلي، كانت منبع الأزمة العالمية التي نعيشها جميعا اليوم".

حادثة تناقلتها الصحف مفادها أنه "مرت عدة أسابيع بين تحذير الطبيب الذي اكتشف ظهور الفيروس الجديد لي وين ليانغ، وقرار القيادة الصينية في بكين اتخاذ أي إجراءات وقائية.. ما حدث أن السلطات اعتقلت الطبيب المذكور ومنعت ما وصفته بإشاعات تضعف الروح الوطنية وتضر بسمعة البلاد. ودعوني أذكّر بأن السيناريو نفسه حدث في أزمة وباء سارس 2003 التي انطلقت أيضا من الصين إلى الخارج عن طريق السفر".

على الطرف المقابل، وفي القارة الأوروبية التي تحولت الآن إلى بؤرة للوباء، تعتمد الحكومات على مبدأ الشفافية التامة، ويقوم الإعلام الحر بمهمته في نشر المعلومات ونقل الأخبار المستجدة. 

وتجد سارة أنه رغم الأجواء الاستثنائية من حجر عام وتوقف جزئي لحركة المجتمع وانتشار تنبؤات بأزمة اقتصادية عارمة، "إلا أن النظام الديمقراطي الليبرالي يبقى متفوقا من الناحية العملية والأخلاقية".

نظام كونيمن جهته، يعتقد نهار أن الليبرالية نظام كوني يخص العالم كله، "لأن تأثيراته السياسية والاقتصادية والاجتماعية تطال كل بقعة في العالم حتى لو حاولت أن تكون بمنأى عنه". 

ويستطرد بالقول إن هذا النظام قدم للبشرية خدمات جليلة في العلم والحريات والثقافة والاقتصاد ونظم الحكم، "وإلى اليوم لا يوجد نظام آخر تجاوزه بصورة جدلية إلى نظام أكثر تطورًا وأقل ظلمًا".

ويجد صاحب كتاب "مسارات السلطة والمعارضة في سوريا" أن في النظام الليبرالي كثيرا من الظلم، لكن "لا يوجد نظام عبر التاريخ لم يكن الظلم إحدى ركائزه أو تجلياته، لكن تختلف درجة الظلم هذا ومستواه ونوعيته، مثلما تختلف الفئات التي يقع عليها هذا الظلم اجتماعيا وجغرافيا". 

ويستطرد نهار في حديثه للجزيرة نت أن في هذا النظام مراكز وأطرافا، منتجين ومستهلكين، أغنياء وفقراء، "وهذا كله انعكس في الحقل السياسي ظلما وتحكما في الدول والشعوب إلى أن غابت حقوق الإنسان الجماعية".

دفاع الدكتور نهار هذا يستند إلى الرؤية التي كان ينبغي العمل في ضوئها بعد انهيار المنظومة الاشتراكية، بألا تكون تلك التي تصب في خانة الوقوف ضد النظام الليبرالي، بل الرؤية التي تنطلق من هدف تحسين وتفعيل حقوق الإنسان الفرد، وحقوق الإنسان الجماعية، أي حقوق الجماعات والشعوب، "فالتغيير المحتمل والممكن والمأمول هو الذي يبنى من داخل النظام هذا، لا التغيير الذي يبنى على أنقاضه أو بالتضاد الكلي معه، على شاكلة التجارب الاشتراكية السابقة، فهذا النمط الأخير لا يصب إلا في إطار الوهم والأيدولوجيات المضللة".

الباحثة السورية سارة العظمة ترى أن الليبرالية الاجتماعية لا تعني الأنانية 

التضحية بالإنسانمن جانبها، ترى سارة أن منع الحريات الفردية بشكل مؤقت ولسبب معلن "ليس إثباتا على وهن في النظام الليبرالي، بل على مرونته وقدرته على التكيف". 

وتبرر ذلك بأن لكل قاعدة استثناءات، والاستثناءات التي نشهدها اليوم في القارة الأوروبية لا تدعو إلى "إعادة النظر في منظومة سياسية فلسفية يكمن نجاحها في أنها لا تضحي بالفرد وتمنح كل إنسان الإحساس بالأمان".

، فالليبرالية التي لا تعني الأنانية، "بل كانت الأساس التي قامت عليه مؤسسات التعليم والصحة المجانية أو شبه المجانية في دول أوروبا". وبالتالي هي الإطار السياسي الذي يمتلئ بمضامين مختلفة بين فترة وأخرى، وحسب تطورات المجتمع وحاجاته وخيارات العدد الأكبر من أفراده. 

وتستطرد بأن الليبرالية الكلاسيكية بدأت كرداء أيدولوجي لأصحاب المال في القرن 18، وتحولت إلى غول السوق المفتوح في القرن 21، "تلك التي نرى تجلياتها الأبشع في السياسة والمجتمع الأميركي، والاستهتار بالبيئة، فكل الانتقادات الموجهة لها مشروعة وضرورية".

من جهته، يؤكد نهار أن حقوق الإنسان منظومة عالمية، وإذا قامت في البدايات على ركيزة الفرد، فإنها أيضًا طورت نفسها على مستوى الاعتراف بالحقوق الجماعية للبشر، "وما ينقصها فعلا في الحالتين، هو الآليات الإلزامية بعيدًا عن مصالح الدول، وهذا يحتاج من جانب أول إلى العمل -من داخل النظام الليبرالي وخارجه- على تطوير نظام عمل الأمم المتحدة ليخدم مصالح الشعوب عمومًا، لا المتحكمين سياسيا واقتصاديا وعسكريا في العالم". 

ويرى -من جانب آخر- ضرورة إعادة النظر أيضًا في مبدأ سيادة الدول، "فليس من الحكمة الإقرار مثلا بعدم التدخل في شؤون الدول المحكومة بأنظمة استبدادية أو بأنظمة لا تكترث لصحة مواطنيها، وغيرها، بل لا بد للأمم المتحدة أن تتدخل استنادًا إلى معايير حقوق الإنسان، لا إلى معايير مصالح وصراعات الدول الكبرى، وربما يكون ذلك عبر إعطاء الجمعية العامة للأمم المتحدة دورًا أكبر على حساب مجلس الأمن".

كلام كثير سيقال عن منع الحريات الفردية من أجل مصلحة عموم البشر، في الطريق إلى إعادة التفكير في ثقافة واحدة، هي ثقافة الحفاظ على الإنسانية وكوكب الأرض.


شبح الكساد الكبير بسبب كورونا.. أسبوع من الفوضى بأسواق المال العالمية و الاقتصاد العالمي

إذا كانت أسواق الأسهم الأوروبية استعادت بعض توازنها يومي الخميس والجمعة الماضيين، فإن بورصة وول ستريت مرت بأسوأ أسبوع في تاريخها، وكان لا بد للبنوك المركزية أن تعمل بشكل جماعي، وعلى وجه السرعة، لتجنب انهيار النظام المالي، في ظل تداعيات تفشي فيروس كورونا.

 هذا الهبوط لم يحدث من قبل في مؤشرات سوق الأسهم في شهر واحد بهذه السرعة، حيث بلغ 32% في وول ستريت حسب مؤشر ستاندرد آند بورز 500، وبلغ 38.6% في باريس حسب مؤشر كاك 40.
وكعلامة على شدة الاضطراب الذي وقع في الأيام الأخيرة، تم الوصول عدة مرات عند افتتاح الجلسة هذا الأسبوع إلى الحد الأقصى البالغ 7% الذي يتوقف عنده التداول في وول ستريت. 

على هامش الركود ورأت الكاتبة أن المستثمرين في الواقع غير قادرين على تقييم عواقب وباء فيروس كورونا على الاقتصاد العالمي، وأن الاقتصاديين أنفسهم ما زالوا يراجعون بالتخفيض توقعاتهم، وإن كان يبدو أن الركود أصبح أمرا لا مفر منه، حتى إن البعض بدأ إثارة شبح الكساد الكبير. 

 ظهور علامات التفكك على النظام المالي، حيث لم تعد الملاذات الآمنة تلعب دورها، وأصبح توليد النقد الشاغل الوحيد للمستثمرين، وبدأ الذهب والسندات الحكومية (الأصول الخالية من المخاطر عادة) الانخفاض بالموازاة مع أسهم وديون الشركات (الأصول الخطرة)، مما يتطلب ضخ مزيد من النقد. 

وكلما زادت الخسائر طلب الوسطاء الذين يستدين منهم المستثمرون زيادة مستوى النقد المقدم كضمان للقروض، ومع ذلك، تبقى السندات الحكومية في هذه الأسواق المذعورة الأصول الوحيدة التي لا تزال قابلة للبيع بالسيولة. 
وقال تقرير الإستراتيجيين في ولز فارغو إن "نصف المستثمرين الذين تحدثنا معهم يعتقدون أن الوضع أسوأ مما كان عليه عام 2008"، مما يثير بعض الذكريات السيئة، حيث يشبّه مستثمر الأمر بسقوط صندوق التحوط "لونغ تيرم كابيتال مانجمنت" عام 1998. 

البنوك المركزية تعمل خوفا من انهيار النظام المالي، تدخلت البنوك المركزية بشكل جماعي في الأيام الأخيرة، في أغلب الأحيان في حالات الطوارئ، وقال تورستين سلوك كبير الاقتصاديين في دويتشه بنك إن "قرارات السياسة النقدية في منتصف الليل تعطي فكرة عن تصميمهم على استقرار الوضع". 
وفي أسبوع واحد –حسب الكاتبة- خفض 31 بنكا مركزيا أسعار الفائدة؛ ونتيجة لذلك أصبحت معدلات الصفر المصحوبة بحقن السيولة هي القاعدة في الاقتصادات المتقدمة. 
وبخطته البالغة 750 مليار يورو، قدم البنك المركزي الأوروبي من دون قيد أو شرط -تقريبا- الوسائل لإنقاذ الدول الأكثر هشاشة في المنطقة كإيطاليا، كما أن الاحتياطي الفدرالي الأميركي تدخل على جميع الجبهات، وأغرق العالم بالدولارات، وقدّم الدعم للبنوك والشركات وصناديق أسواق المال. 
وبالفعل، انتعشت الأسواق الأوروبية يومي الخميس والجمعة، عندما رأت في البنك المركزي الأوروبي مقرض الملاذ الأخير، في حين أنهت وول ستريت الأسبوع بتراجع إضافي بنسبة 5% تقريبا، ولكن الأسابيع القادمة هي التي ستحدد إذا كانوا قد ربحوا رهانهم.

المصدر : ليزيكو

*

قنوات التأثير وجهود الدول.. كيف دمر فيروس كورونا الاقتصاد العالمي؟

منذ تفشيه لا يزال فيروس كورونا يعيث في الاقتصاد العالمي دمارا حتى أصابه بالشلل، فقد عرقل الإنتاج والإمداد والنقل الجوي عبر العالم، وأضعف الطلب العالمي، وعزل دولا ووضعها تحت الحجر الصحي، وأخرى تحت حظر التجول، وأصاب قطاعات المال والطيران والنقل والسياحة بخسائر فادحة.
قنوات التأثير
هناك عدة قنوات يؤثر من خلالها فيروس كورونا على الاقتصاد العالمي، وهي:
 1- التبادل التجاري، إذ يؤدي إلى إعاقة الإنتاج وعرقلة الإمداد وإضعاف الطلب العالمي، ومنه الطلب على الطاقة.
2- الترابط المالي، وقد طال تأثيره المادي والمعنوي أسواق المال العالمية التي شهدت انهيارات وأسوأ أداء منذ اندلاع الأزمة المالية العالية عام 2008، وبهذا تعطي أسواق المال مؤشرا سلبيا على شعور المستثمرين بتوجهات تأثير الفيروس على الاقتصاد العالمي.
 3- السياحة والنقل، إذ خفض معدل الرحلات وأغلق العديد من المطارات حول العالم، فهو يؤثر على العرض والطلب العالميين.
أما على مستوى الاقتصاد المحلي للدول فيؤثر الفيروس من خلال ثلاث قنوات:
1- إعاقة النشاط الاقتصادي، وذلك عبر إعاقة الإنتاج والخدمات والمواصلات والنقل والسياحة والتسوق، وإضعاف العرض والطلب.
وهناك مدن وضعت تحت حظر التجول وتحولت إلى مدن أشباح كما شهدنا في الصين وإيطاليا، والعدد آخذ في الازدياد حول العالم .
2- تكاليف التصدي والاحتواء، من إنقاذ ودعم وإجراءات احترازية لقطاع الصحة والقطاعات الاقتصادية والاجتماعية بتكاليف باهظة وآخذة في الارتفاع.
3- الثقة واليقين، فالارتباك وعدم اليقين يضعفان الثقة، ويؤدي ذلك إلى الإحجام عن الاستثمار والإنفاق والسياحة.
وبالمحصلة، سيصيب الفيروس الاقتصاد العالمي بالشلل، إذًا هناك توقعات بتراجع النمو في الصين وحدوث انكماش في اليابان وركود في فرنسا، كما أن هناك دعما ماليا ضخما في ألمانيا، وإغلاقا للمناطق الصناعية في شمال إيطاليا، وخفضا طارئا لأسعار الفائدة إلى حدود الصفر في بريطانيا وأميركا، مع ضخ سيولة هائلة لإنقاذ القطاعي المالي ودعم الاقتصاد في أميركا، وفي منطقة اليورو (750 مليار يورو).
ركود عالمييبدو أن الاقتصاد العالمي مقبل لا محالة على تراجع إن لم يكن انكماشا حادا، والتوقعات الأولية تشير إلى انخفاض النمو بحدود 0.9-0.5% إلى 1.5% هذا العام، وقد يصل إلى أدنى مستوى له منذ الأزمة المالية العالمية، بحسب منظمة التعاون.
وقد يشهد العالم أسوأ أزمة اقتصادية منذ الكساد العظيم في ثلاثينيات القرن الماضي، وستعتمد هذه الاحتمالات على مدى الانتشار الزماني والمكاني للفيروس، وعمق الأزمة التي سيتسبب فيها، ومتى تضع الحرب معه أوزارها.
لكن كلما طال أمد الصراع ضد كورونا أدى ذلك إلى ارتفاع  حالات الإفلاس بين الشركات والبطالة بين المجتمعات، وستكون الفئات الأضعف و"ذوو الدخل الأقل" هم الأكثر عرضة، وستكون لذلك تبعات اجتماعية كبيرة وضغوط هائلة على الحكومات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي من خلال برامج الإنقاذ والدعم المختلفة وخفض الضرائب.
 تحديا كبيرا للدول التي تعاني من هشاشة أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية أساسا ولم تستفد من تجربة الربيع العربي بالمضي قدما في إصلاحات مقنعة، كالعراق ولبنان والجزائر ومصر.
الصين مثال واضح
أعطت الصين -وهي مهد تفشي الوباء- مثالا واضحا على كيفية إضرار الفيروس بالاقتصاد الصيني ومنه إلى الاقتصاد العالمي، فالصين هي صاحبة ثاني أكبر اقتصاد في العالم، بنسبة 17% من حجم الاقتصاد العالمي، وهي أكبر مصدر للبضائع حول العالم، وتعتبر مصنع العالم، إذ تمده بثلث احتياجاته من المنتجات الصناعية، وهي أكبر مستورد للنفط في العالم، وتشكل مصدرا كبير للطلب على السياحة العالمية.
لذلك عندما يصاب الاقتصاد الصيني بالشلل فلا بد أن يتأثر العالم، وبقاء العمال في بيوتهم وإغلاق المصانع أديا إلى هبوط المؤشر الصناعي لأدنى مستوى في تاريخه.


الفرق بين المعنى اللغوي ‏والاصطلاحي

الفرق بين المعنى اللغوي، والاصطلاحي، أن الأول يطلق على المعنى الذي استعملته العرب للكلمة، والثاني يقصد به المعنى الذي اصطلح أهل فن معين على إعطائه لتلك الكلمة، فالصلاة -مثلا- في المعنى اللغوي الدعاء، وفي المعنى الاصطلاحي الشرعي العبادة المعروفة، وقد عرفها الفقهاء بأنها: عبادة ذات أقوال وأفعال مخصوصة، مفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسليم.

والسنة لغة الطريقة، وفي الاصطلاح لها عدة إطلاقات بحسب كل فن


مبادرات مجتمعية مهمة.. ولكن وكورونا

العديد من الجمعيات ومنظمات العمل الأهلي والخير والأحزاب السياسية سارعت الي إطلاق مبادرات وحملات مجتمعية سواء للتوعية من فيروس كورونا أو لمساعدة الفئات الإجتماعية والأسر المتضررة من انتشار الفيروس. 
الفنانون ولاعبو الكرة والسياسيون لم تفوتهم فرصة المشاركة في الأزمة بإطلاق التحدي لجمع أكبر مبلغ من الأموال لدعم المتضررين. 

والشباب في المحافظات أيضا انطلقوا المساهمة في حملات التوعية والتعقييم للأحياء وتوزيع ملصقات للتعريف بالمرض والوقاية منه. ومنها حملات تنادي بالتجاوب مع قرارات الحكومة بعدم الخروج من المنازل خلال تلك الفترة. 
بالتأكيد لكل أزمة جانب إيجابي يوقظ داخل الشخصيات العامة ومنظمات المجتمع المدني-٥٠ الف جمعية ومنظمة في مصر- مشاعر الوطنية والإنسانية التي تنسجم مع ثقافة المجتمع المصري واصالته ومكونه الحضاري في وقت الأزمات والشدائد.. وهذا ما يميز المجتمع المصري ويتفرد به عن غيره من المجتمعات. 

فحملات التوعية ومبادرات الجمعيات والشخصيات العامة و الفنانين ولاعبي الكرة لابد من التنسيق بينها وبين وزارتي الصحة والتضامن الاجتماعي. لابد أن نتعلم فن الإدارة في الأزمات. ومثلما نجحت الحكومة في إدارة الأزمات وخاصة في أزمة الطقس السيئ وفي أزمة فيروس كورونا حتى الان. فلابد للعمل الاهلي والتطوعي ان يدار بوعي حتى يحقق الهدف والغالية. فقاعدة البيانات السليمة عن الأسر الأكثر احتياج وتضررا واماكنها متوفر لدى وزارة التضامن ووزارة التخطيط. بالتالي لاتذهب التبرعات والمساعدات الي غير مستحقيها وخاصة في تلك الظروف الصعبة. 

إذا كانت الصلاة ممنوعة في المساجد مؤقتاً، لظروف خاصة، فإن الأرض كلها مساجد، فاجعلوا من منازلكم مساجد، صلوا وأدعوا أن يزيح الله الغمة، ويعجل بالفرج، ادعوا لأنفسكم وبلادكم ومن تحبون بالصحة والعافية، وأن يبلغهم الله رمضان غير فاقدين أو مفقودين.

فحفظ حياة الناس من مقاصد شريعتنا الغراء، ولذا أمرنا كتاب ربنا بإبعاد أنفسنا عن موارد التهلكة «ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة» «ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما»، ومن قواعد شرعنا «لاضرر ولا ضرار»، «المشقة تجلب التيسير»، «الضرورات تبيح المحظورات».. وما يلزم لتحقيق حفظ حياة الناس يجب الأخذ به ولو كان متعلقا بعبادة من العبادات، فقد حرم الشرع الصيام على المريض مرضا يؤدى به الصوم إلى التهلكة، وكذا كبير السن الذى لا يقوى على الصوم، وأسقط عن الحائض والنفساء  الصلاة مدة العذر، وألزمهما تأجيل الصيام حتى الطهر، ولم يُلزم المسافر بصلاة الجمعة بل له أن يصليها ظهرا مع قصره، وكذا قصر العصر والعشاء، وفى حالات الخوف غيرت شريعتنا هيئة الصلاة المعهودة ليجمع المصلون بينها وبين مراقبة العدو وقتاله إن باغتهم وهم فى صلاتهم، وفى كتب الصحاح العديد من النصوص الدالة على جواز ترك الجمع والجماعات فى المسجد فى حال المطر الشديد وتضرر الطرق، وكان ابن عباس، رضى الله عنه، يأمر المؤذن بأن يقول: صلوا فى بيوتكم ولا يقول حى على الصلاة، ولذا عنون البخارى فى صحيحه «كتاب الجمعة» باب بعنوان: باب الرخصة إن لم يحضر صلاة الجمعة فى المطر، كما أن إجراءات الحجر الصحى الذى تتخذها الدول ليست بدعة ولا من مستحدثات عصرنا، بل عرفها شرعنا فى صدره الأول حين قال، صلى الله عليه وسلم، عن الطاعون وهو كل مرض معد يمثل خطورة على حياة الناس: «إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه»، وهذا هو المعنى الحرفى للحجر الصحى، وقد طبقه الصحابة فى عهد سيدنا عمر، رضى الله عنه، حين ظهر الطاعون بأرض الشام وكانوا على مشارفها فلم يدخلوها بعد أن شاور سيدنا عمر، رضى الله عنه،  المهاجرين والأنصار فاختلفوا حتى ذكر عبدالرحمن بن عوف، رضى الله عنه، أنه سمع الحديث السابق عن رسولنا، صلى الله عليه وسلم.

صناعة الثروات فى أوقات الأزمات.. الاستثمار الناجح فى عصر الكورونا


قد تعصفُ الأزمات الاقتصادية بأكثر من اقتصاد فى العالم، وقد تتعرض الأسواق لهزّاتٍ متلاحقة، فهناك من يستطيع أن يرى فرصاً استثمارية ويقتنصها، وهناك بعض الأفراد من يتقن الاستثمار فى الظروف الاقتصادية الصعبة ويمكنه صناعة الفرص حتى فى أصعب الأزمات. من المتعارف عليه أن رأس المال جبانًا بطبعه أو هكذا يوصف، فإنه قد يكون أجبن فى أوقات الأزمات الاقتصادية تحديدًا. ولعل هذا ما يدفع كثيرين إلى التساؤل التالى: كيف يمكن أن نستثمر أموالنا فى أجواء الركود الاقتصادى التى قد تجتاب العالم جراء أزمة كورونا.

ويشير تاريخ الثراء والأثرياء فى العالم بأن ثمة قاعدة اقتصادية جمع منها كثيرون أموالا طائلة، وتقول القاعدة إنه فى كثير من الأحيان تتيح الأزمات أفضل الفرص لصنع الثروات، لكن بعض الناس صاروا يخشون الاعتماد على هذه النظرية هذه الأيام لعوامل كثيرة، يأتى فى مقدمتها الطبيعة غير المسبوقة للأزمات التى تمر بها العديد من الدول وقد تكون مفاجئة وغير متوقعة وقد تستغرق أوقاتا كثيرة لمواجهتها وإيجاد حلول لها أى كان طبيعة تلك الأزمات، لكن ثمة من يرد على تلك المخاوف ويؤكِّد أن نجاح هذه القاعدة مشروط بكيفية اقتناص الفرص الكبرى التى قد تتيحها هذه الأزمات بشكل جيد. ففى أوقات الأزمات كثيرا ما تنخفض أسعار أصول استثمارية أو تستقر وترتفع أصول أخرى، ووسط هذه الموجة من التقلبات يفضل المستثمرون الاحتفاظ بالسيولة النقدية لمواجهة أى مخاطر محتملة أو تدهور شديد فى الأوضاع السائدة، وعادة ما تقوم الاستراتيجيات الاستثمارية فى أوقات الأزمات باستغلال قاعدة أن السيولة النقدية أو الكاش ملك، لذا فمن الممكن استغلال هذا الملك فى اقتناص فرص استثمارية تتمتع بعائد مجزٍ بمجرد انتهاء هذه الأزمة أو هكذا يقول أصحاب نظرية الاستثمار فى الظروف الاقتصادية الصعبة.

ويعزز أصحاب هذه النظرية رأيهم بإن التاريخ يشير دوما بأن لكل أزمة ذروة ومن ثم فإنها سرعان ما تتراجع حدتها أو تتلاشى نهائيا إلا نادرا. وقد يكون الاستثمار فى الأفكار الريادية والمشاريع المبتكرة أحد أفضل السبل للاستثمار فى أوقات الأزمات، وربما يأتى ذلك بديلا عن الاستثمار التقليدى واللجوء إلى الملاذات الآمنة مثل الذهب والدولار والعقارات، وإن كان قطاع العقار يوصف دوما فى العالم العربى، خاصة أنها الاستثمار الذى قد يمرض لكنه لا يموت بسبب هذه الأزمة أو تلك.

أما فيما يتعلق بالرد على نقطة أن الأزمات تصنع الثروات، هل هى حقيقة أم وهم؟ فالرد الأمثل هنا أن الأزمات تصنع الثروات لمن يجيد اقتناص الفرص وليست قاعدة تنطبق عامة على الجميع، فمثلاً فى عام 2011، ما فعله “واين بافيت" باستثمار 5 مليارات دولار فى “بنك أوف أمريكا” بعد فقده نصف قيمته السوقية نتيجة الأزمة المالية.

ألا الأهم هنا هو السلوك والتصرف الواجب على الأفراد الراغبين فى الاستثمار التحلى به، فعليهم الهدوء وإدارة صافى مدخراتهم بحكمة وصبر هى من أهم الأدوات التى يجب تفعيلها فى مثل هذه الأوقات. كما يجب ألا نواكب الموضة الرائجة بمعنى أنه لا ينبغى لك أن تسير فى استثماراتك وفق غريزة القطيع خصوصا فى مجالى الأسهم والعقارات. كما لا تضع كل البيض فى سلة واحدة مهما بدا أحد الاستثمارات مغريا، فتنويع المحفظة الاستثمارية وقطاعات الاستثمار أمر عادة ما يوصف بأنه من أساسيات كل مستثمر ناجح، لأنه ببساطة كفيل بحماية أموالك من الضياع كليا.


تجنب القروض قدر المستطاع.
وفيما يتعلق بأشكال الاستثمار الأمن فى أوقات الأزمات وكيفية استغلال ذلك فى تعظيم مدخراتك، فإن أحد أصوب الحلول فى أوقات الأزمات الاقتصادية يعتبر الذهب حلًا مثاليًا، فالذهب، وعلى شاكلته جميع المعادن النفيسة التى يمكن شراؤها مثل الفضة والألماس والمجوهرات بشكل عام، يعتبر أداة اقتصادية مضادة للأزمات والتقلبات الاقتصادية، وتمثل قيمته العالمية حاجز أمان مادى لمن يمتلكه وقت الأزمات، بل فى كثير من الأحيان يعتبر أفضل استثمار لما بعد انقضاء الأزمة.
أما الشكل الثانى من أشكال الاستثمار فى أوقات الأزمات هو تملك الأصول، فهى أحد أوجه الاستثمار التى يجب أن تمارسها بحذر. حيث تتميز الأصول باحتفاظها بقيمتها الأصلية مع الوقت، لذا تعتبر فى الأصل استثمارًا آمنًا لا يتأثر بتدهور الحالة الاقتصادية بالبلاد. ومن أفضل الاختيارات فى هذه الحالة بالتأكيد هو شراء الأراضى الفضاء المرخصة للبناء، ثم الأراضى الزراعية، وأخيرًا العقارات البنية.
أما الشكل الثالث من أشكال الاستثمار فهو تجارة المواد الأولية، فهو أحد الحلول التجارية التى يمكنها أن توفر لعائلتك الدخل الشهرى الأساسى، فالزم تجارة المواد الأساسية والأولى. ونستخدم هنا القاعدة الأصلية (عدم الاحتفاظ بسيولة نقدية) كاستراتيجية رئيسية فى ممارس البيع والشراء، فلا تبع بالآجل وحاول تقليص مدد التخزين.
أما فيما يتعلق بالاستثمار فى البورصة فى أوقات الأزمات، فقد يكون اللجوء لأسهم الشركات الخاصة المحلية يعتبر بمثابة انتحار وإهلاك لمدخراتك، ولكن اختيار أسهم لبنوك حكومية مساهمة أو شركات موردة لمواد أولية يمكن أن يكون استثمارًا أفضل. كما يعتبر شراء السندات الحكومية هو الاختيار الأكثر أمانًا على الإطلاق فى البورصة ولكن هو كذلك الأقل ربحًا، إذ إن الحكومات تعتبر الجهة الأكثر ثقة فى السوق المالى، والتى يضمن المستثمر استرداد قيمة السند لديها حتى مع تدهور الاقتصاد؛ بالتأكيد هذا مبدأ عام، إذا كنا نتحدث عن بورصة نشطة بالأصل ودولة لديها رصيد من الثقة وهو بالفعل ما أصبح موجودًا بالفعل فى الاقتصاد المصرى من ثقة مجتمع الأعمال الدولى فيه وخاصة بعد النجاح القوى لبرنامج الإصلاح الاقتصادى.
وفى النهاية لا نستطيع أن ننكر أن اتخاذ الأفراد قرار استثمار مدخراتهم فى أوقات الأزمات أو حالات الركود الاقتصادى التى قد تصاحب الأزمات أمر فى غاية الصعوبة، ويختلف اتخاذ القرار من سوق لآخر ومن اقتصاد لآخر، وأخيرا أود أن أوجه رسالة للمواطن المصرى بأنه لا داعى للقلق فالاقتصاد المصرى أصبح الآن لديه القدرة على مواجهة الصدمات محليا وعالميا فهو اقتصاد غير منكشف أو معتمد على نمط أو شكل معين فى الإنتاج والاستثمار، فتطبيق الإصلاح الاقتصادى فى مصر فى 2016 منح الاقتصاد المصرى قدرة كبيرة على مواجهة الأزمات، وساهم من معدلات ربحيته كبيئة خصبة للاستثمار الأمن الآن
+++++++++++++++++

«كورونا» العصور الوسطى

«بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره».. هكذا قال الله تعالى فى آيات الذكر الحكيم، ليعلم الله عباده بأنهم شهداء على أنفسهم، يحاسبون على ما تفعل أيديهم، وما تخطو إليه أقدامهم، وتبصره أعينهم، نعم الإنسان شاهد على نفسه وعلى كل ما يفعل حتى ولو اختلق الأعذار.
خاطب الله فى جميع الأديان ذوى العقول، وكان الطريق الذى عرف به الأولون الله هو التفكير والتأمل، لكن يبدو الآن ونحن فى القرن الحادى والعشرين ميلاديا، والخامس عشر هجريًا، وبعد أكثر من 7 آلاف عام على بدء التدوين وكتابة التاريخ، لايزال البعض ينحى عقله جانبًا ويتمسك بأقاويل الله نفسه والعلم والدين براء منها، ويعيش بعقله وجسده فى العصور الجاهلية الأولى.

فى الأيام الأخيرة تفشى فيروس «كورونا المستجد: كوفيد 19» فى أغلب دول العالم، ولم يفرق هذا الفيروس اللعين بين إنسان وغيره، لم يفرق بين مؤمن وملحد، بين إبراهيمى ووثني، ضرب الجميع وتمكن من كل الخلق، ولم يقف عند حدود معبد بوذى أو كنيس يهودى أو دير مسيحى أو مسجد إسلامى، الجميع أصابهم المرض ولم يخطئهم.

أصاب الفيروس منطقتنا العربية، لكن بدل من أن نواجهه بالعلم، واجهناه بأفكار الماضى، وظل البعض يعيش أساطير الأولين ويتباهى بحماية الله له دون غيره من البشر، ودون أن يعطى هو نفسه سببًا لذلك التفريق الإلهى، ويتمسك بأفكار عصور الخرافات والأساطير، ويرفض العلم.

المسلمون يرفضون منع الصلاة فى الجوامع بل يتساءل البعض دون وعى، كيف تخافون الفيروس وأنتم فى بيوت الرحمن؟ وكأن الفيروس سيفرق هنا بين منزل ومسجد، ألم يفكر المتسائل هنا إذا دخل المسجد شخص يحمل الفيروس هل سيشفى مجرد أن تطأ قدماه المسجد، لماذا يحصن الله تلك الأمتار دون غيرها، وهل الله ظالم للعباد، ولماذا يتمسك الناس بسنة النبى فى أمور ويتركونها فى أخرى؟

الجميع يتشدق الآن بالأوهام، الهنود يعتقدون أن «بول البقر» يشفى من «الكورونا» اليهود والمسيحيون والمسلمون يصلون من أجل جلاء الوباء وهذا ليس عيبًا، بل العيب فى أن الجميع ترك العلم واتجه للخرافات، يدعون الله دون أن يسعون للحد من الوباء، ونسوا أن الله خاطب أولى الألباب.
ويظل التساؤل الذى يحيرنى الآن لماذا نتراجع ونترك العلم والطرائق التى وصلنا بها إلى الله من قبل، لماذا نتمسك بعقائد وأفكار العصور الوسطى، خلاصة القول إن الله يحب المتدبرين الساعين وراء المعرفة، ولا يحب كل متواكل جاهل، يحب المنطق ويكره المسلمات، الله أعطانا العقل وأتانا الحكمة، فلماذا نصر على الجهل؟