السبت، 31 يناير 2026

جيل ليبوفتسكي ***********

 مجتمع يقدس "اللاثقل". لكن هذه الخفة التي وعدنا بأنها طريق التحرر من الأيديولوجيات الثقيلة والواجبات القمعية

 لم تعد القوة تقاس بالصلابة، بل بـ"الخفة"

 استبداد ناعم، يفرض علينا أن نكون مبتهجين، مستهلكين، و"خفيفين" على الدوام.

نعيش اليوم في ظل "ديكتاتورية الابتسامة"، حيث أصبح الحزن تهمة، والعمق عائقا أمام تدفق الإنتاج والاستهلاك. في هذا العصر، يمنع الفرد من "النبش في الذات" أو التوقف الطويل أمام جراح الوجود.

 فكل حدث يجب أن يكون سريعا، مرحا، وقابلا للتفنيد في اللحظة التالية. لقد انتقلنا من قسوة "الواجب" إلى قسوة "المتعة"، حيث يطالب الإنسان المعاصر بأن يكون سعيدا بالإكراه، مما خلق إنسانا "هشا" يهرب من مواجهة ظله الكامن خلف قشور الاستهلاك.

محاولة المرء أن يكون "عميقا" في زمن السطحية، أو "مخلصا لحقيقته" في زمن الأقنعة الرقمية والتريندات العابرة، لم تعد مجرد خيار فكري، بل أصبحت فعلا من أفعال المقاومة.

  1. ديمقراطية الموضة: اختفاء المركزيات والسلطات الثقافية العليا، وصعود منطق الموضة (التجديد السريع، التنوع، عدم الثبات) كمنطق حاكم في الفن والسياسة والأخلاق.

في هذا العالم، يصبح "الالتزام" و "الثبات" و "الثورة" نفسها مجرد "أنماط حياة" قابلة للاستهلاك ضمن سوق الهويات. تنحل الأيديولوجيات الكبرى لصالح "السيولة" و "المرونة".

  1. ضد السيولة: البحث عن "صلابة" جديدة – ليس بالضرورة صلابة أيديولوجيات القرن العشرين المتعصبة، ولكن صلابة المبادئ والالتزامات الطويلة الأمد التي تقاوم منطق الاستهلاك والتغيير السريع. إعادة الاعتبار للجذور، للتراث، للطقوس الثابتة، ليس كحنين رجعي، بل كبناء حصون معنوية ضد طوفان العبثية.

  2. ضد الفردانية المنفلتة: إعادة اكتشاف "المشترك" – المشترك الإنساني، البيئي، المجتمعي. ليبوڤتسكي يتحدث عن "الإنسانية الضعيفة" المتمركزة حول الذات، والسير العكسي قد يكون بحثاً عن "إنسانية متضامنة" تخرج من دائرة الذات إلى دائرة المصير المشترك.

  3. ضد ديمقراطية الاستهلاك: السير العكسي يمكن أن يكون "انتقائية مقاومة" – رفض الانجراف في تيار الموضة الدائم، واختيار الابتعاد عن التسليع العام. قد يتخذ شكل "بطء" متعمد، أو "بساطة طوعية"، أو إعادة حرفية للمنتجات والأشياء لاستعادتها من براثن "قابلية الاستهلاك".

  4. إعادة تسييس ما تم تأنيته وتسييله: ليبوڤتسكي يرى أن "التأنيث" أدى إلى تراجع الخطابات السياسية الثورية العدائية لصالح خطابات الاعتراف والحقوق الفردية. السير العكسي قد يكون إعادة بناء خطاب سياسي جذري، لكنه مستفيد من دروس المرحلة – خطاب يجمع بين المطالبة بالعدالة (البعد "الذكوري" التقليدي) والرعاية بالبيئة والمجتمع (البعد "الأنثوي")، دون الوقوع في فخ الاستهلاك الهوياتي.

  5. الثورة على "الرضا": مجتمع ليبوڤتسكي الناتج عن الحداثة الفائقة هو مجتمع يبحث عن المتعة والرضا الفوري وتجنب المعاناة. الفعل الثوري المضاد هنا هو قبول المعاناة الطوعية من أجل قيمة أعلى – كالنضال الطويل، أو التضحية من أجل مبدأ، أو ممارسة تتطلب صبرًا وجهدًا (مثل تعلم مهارة عميقة).

الخطر في هذا "السير العكسي" هو أن يتحول هو نفسه إلى موضة، إلى هوية استهلاكية ("الثوري"، "التقليدي الجديد"، "البسيط الطوعي") تُعرض في سوق النماذج الحياتية. أو أن يسقط في براثن الأصوليات الرافضة لكل حداثة.

 الحداثة "الصلبة" (حسب مصطلح زيجمونت باومان) هي قيم إنتاجية، تنافسية، عقلانية صارمة، هرمية، وقائمة على القوة والسيطرة (وهي قيم تُنسب تقليدياً للحقل "الذكوري" العام)،

 يصبح الهم هو "التعايش" و"الاعتراف" أكثر من تغيير هياكل القوة

  1. الرعاية كأخلاقيات جديدة: من أخلاقيات الواجب والمبادئ المجردة (كانط) إلى أخلاقيات الرعاية (كارول جيليجان)، حيث تصبح مسؤولية الاهتمام بالآخر (في الضعف، المرض، الاختلاف) قيمة مركزية.

 تحويل الرعاية من مجرد علاقة بين أفراد إلى مطلب سياسي جماعي – نظام رعاية صحية شاملة، رعاية بيئية، رعاية للأجيال القادمة. أي إخراجها من الحيز الخاص (الأنثوي التقليدي) إلى الحيز العام السياسي.

"صلابة مرنة" – التمسك بالمبادئ والحدود (صلابة) لكن بأساليب تواصلية وحوارية (مرونة). رفض العنف لا يعني رفض الصراع. يمكن أن يكون الصراع قوياً وحاسماً لكن بلغة سلمية ومبدئية.

  1. إعادة الاعتبار لقيم "ذكورية" منقحة: ليس العودة إلى الهيمنة والقسوة، بل إعادة تقييم قيم مثل الشجاعة (في قول الحق)، المسؤولية (عن الجماعة والمستقبل)، الحزم (في اتخاذ القرارات الصعبة)، التضحية (من أجل قضية أكبر) – لكن من منظور إنساني شامل، لا ذكوري استبعادي.

مواجهة "تأنيث العالم"، ليس رجوعاً إلى الوراء نحو الذكورية التقليدية

  • خلق نموذج إنساني جديد يتجااز الثنائية الذكوري/الأنثوي نحو أخلاقيات إنسانية متكاملة، قادرة على الرعاية والصراع في آن واحد، قادرة على التواصل والتحدي، قادرة على المرونة في التكتيك والصلابة في المبدأ.

"ثورة العمق" ضد سيرورة السيولة التي حللها ليبوفتسكي، حيث يصبح الإصرار على المعنى، وتأمل الألم، والتمسك بالجوهري، هو السبيل الوحيد لاستعادة إنسانيتنا التي كادت أن تذوب في أحماض الخفة المفرطة.

مفارقة يطرحها ليبوفتسكي تكمن في أن هذا "التسليع" يرتدي قناع التحرر. فالموضة والجمال الحيوي الخفيف في عصر "المرأة الثالثة"، يمثلان جزءا من "هويتها الاختيارية" ومشروعها الشخصي، إلا أنهما في الوقت ذاته يمثلان ديكتاتورية طاغية، حيث لا مكان للثقل الوجودي أو علامات الزمن، وإلا وجدت المرأة نفسها خارج "كادر" شاشة العالم التي تفرض معاييرها السائلة.

*
نحن لا نعيش في مجتمع "منفلت" أو بلا قيم، بل في مجتمع يرفض "الأخلاق المؤلمة"، فنتعاطف مع القضايا الإنسانية الكبرى، وننشغل بقضايا البيئة وحقوق الآخر، لكننا نمارس هذا التعاطف بشرط ألا يعطل مسيرتنا نحو "المتعة الشخصية" أو يفرض علينا تضحيات كبرى تقيد حريتنا الفردية.

 انتقلنا من استهلاك "المكانة" (حيث نشتري لنبدو أفضل أمام الآخرين) إلى "استهلاك التجربة العاطفية" (حيث نشتري لنشعر بأنفسنا). في هذا العصر، زادت وتيرة شراء السلع والخدمات والمتع بشكل غير مسبوق، وأصبح التسوق علاجا يوميا للملل. مع ذلك، وبشكل مفارق، لم يسبق للإنسان أن عاش هذا القدر من "التعاسة الوجودية" والهشاشة النفسية. فبينما يمتلك إنسان ليبوفتسكي كل أدوات الرفاهية ووسائل الراحة، نراه يتردد بشكل مكثف على العيادات النفسية، ويبحث عن التوازن في أقراص "البروزاك" أو في دورات "التنمية الذاتية" التي تحولت هي الأخرى إلى سلعة استهلاكية.

نحن نشتري لنملأ "الفراغ" الذي تخلفه الخفة، وكلما زاد استهلاكنا، زاد شعورنا بخفة المعنى، مما يدفعنا مجددا نحو دائرة البحث عن خلاص كيميائي أو استهلاكي جديد.

"تقديس الأصالة" (Le Sacre de l'authenticité - 2021)
الإنسان لم يعد يحتمل العيش في الفراغ. إنه يبحث عن "معنى" يتجاوز مجرد الاستهلاك العابر، حتى وإن اضطر إلى البحث عنه داخل أدوات الاستهلاك نفسها. إنها محاولة إنسانية دؤوبة لاستعادة توازن الوجود في عالم لم يعد يتوقف عن التغير.

 دعوة لاستعادة "الثقل" الجميل في حياتنا، ليس عبر العودة الى الماضي، بل عبر فهم الحاضر بعمق يكسر حدة المرايا الزائفة



الأربعاء، 28 يناير 2026

تسارعية يسارية

 تسارعية يسارية (Srnicek & Williams مثلاً):

كتاب 2015 ابتكار المستقبل: ما بعد الرأسمالية وعالم بلا عمل

يريدون تسريع التكنولوجيا لتحرير البشر من العمل والندرة وبناء اشتراكية عالية التقنية.

 الأدوار انقلبت؛ فاليسار (الذي كان يطالب بالتغيير دائماً) بات يطالب بـ "التثبيت" والاستقرار البيئي، بينما اليمين والمحافظون باتوا يدفعون نحو "تغيير متفجر" ومستمر عبر النمو الرأسمالي.

 "الحرية تبدأ بعد أن ينتهي العمل". مستقبل فرايز الأول هو "الشيوعية"، يوتوبيا ما بعد الرأسمالية والتقسيم الطبقي وبعد الحاجة إلى العمل بالأجر. من الضروري، يشير فرايز، أن نتخيل معنى العيش في عالم لا نقوم بالتعريف فيه عن أنفسنا من خلال العمل الذي نكتسب منه أجراً لكي نتصور هذه اليوتوبيا، رغم صعوبة ذلك عند الكثيرين. في حين تحقق ذلك، لن يكون العمل "عملاً" بالمفهوم الذي نعرفه، مرتبطاً بأجر ضروري للحياة، بل هو حرية يقررها كل فرد ليسخر حياته لما يريد أن يفعل، دون أن يقلق على قوته اليومي. وإذا ما تحققت الأتمتة الكاملة لتؤدي الروبوتات العمل الضروري بدلاً من الإنسان، في ظل مساواة طبقية كاملة ووفرة للمصادر الطبيعية، سنصل إلى هذا السيناريو.

 التكنولوجيا يجب أن تنهي "عبودية الأجر". بدلاً من الخوف من الروبوتات لأنها تسرق الوظائف، يجب أن نحتفل بها لأنها تحررنا من العمل الشاق والممل. الهدف هنا هو الوصول إلى مجتمع "ما بعد العمل
كله بالروبوتات ودخل اساسي شامل  رفض العمل الاستغلالي وتوفير الوقت للإبداع والسياسة.

 "الندرة" التي تقوم عليها الأسعار الرأسمالية ستنهار، مما يمهد الطريق لاشتراكية تعتمد على الوفرة لا على توزيع الفقر.

*
نصبح "فصاميين" سياسياً؛ أي أن نرفض الهويات الثابتة (أنا موظف، أنا مستهلك، أنا مواطن مطيع) ونتبنى هويات سيالة تخترق النظام.

الرأسمالية تنظم جسدك: (العين للاستهلاك، اليد للإنتاج، العقل للطاعة).
دفع التدفقات للأقصى يعني استعادة الجسد ليكون مساحة للتجارب الجديدة: فنون، علاقات اجتماعية غير نمطية، طرق عيش جماعية (Communes) لا تهدف للربح.
  1. الخطر الأول: أن تنفجر التدفقات وتتحول إلى تدمير ذاتي (فوضى خالصة).

  2. الخطر الثاني: أن تتحول إلى "فاشية" جديدة إذا لم يتم توجيهها بوعي.

بالمختصر: دولوز يقول لنا: "لا تحاولوا إصلاح الرأسمالية، فهي لا تُصلح. بدلاً من ذلك، كونوا أكثر حركية، أكثر إبداعاً، وأسرع من قدرتها على استيعابكم."

ننتقل من كونه "أداة إنتاج" إلى كونه "آلة رغبة" حرة.

دفع التدفقات: يعني كسر هذه الرتابة من خلال الفنون التي لا تهدف للجمال التقليدي بل لـ "هز" الحواس، أو من خلال ممارسات جسدية (كالسير العشوائي في المدن - Psychogeography) التي تعيد اكتشاف الفضاء الحضري بعيداً عن منطق التسوق والعمل.

ابتكار شبكات قرابة وصداقة لا تقوم على الدم أو الواجب، بل على "الترحال" (Nomadism) العاطفي. تكوين جماعات تقوم على "القدرة على الفعل" المشترك (Agencement) بدلاً من الهويات الثابتة.

ليس هناك حاجة للخوف أو الأمل، بل البحث عن أسلحة جديدة."

دولوز يطرح مفهوماً ملهماً يسمى "الشعور بالصيرورة" (Becoming). بالنسبة له، حتى لو فشلت التجربة الجماعية أو سحقتها الدولة، فإن "الحدث" نفسه قد غيّر خارطة الممكن.

  • بمجرد أن يختبر الناس (ولو لفترة قصيرة) شكلاً من العيش بلا تراتبية وبلا خوف من المال، فإن "فيروس" هذه الفكرة يظل حياً في الذاكرة الجمعية، وينتظر اللحظة المناسبة للظهور بشكل جديد.

*
نحن "نرغب" في عبوديتنا*
الرأسمالية نجحت في جعل "الرغبة" و"رأس المال" شيئاً واحداً. أنت لا تعمل لأنك مجبر فقط، بل لأنك "تريد" اقتناء النسخة الأحدث من كل شيء.

  • هل أنت متمرد؟ الرأسمالية ستصنع لك موسيقى متمردة، وأزياء متمردة، وأفلاماً عن الثورة على المنصات الرقمية.

  • الرأسمالية "تبتلع" أعداءها وتحولهم إلى زبائن. التمرد نفسه يصبح "نمط حياة" (Lifestyle) يُباع ويُشترى، مما يفرغ التمرد من محتواه السياسي الفعلي.

  • بدلاً من أن يشعر العمال بأنهم "طبقة واحدة" (كما في الماركسية الكلاسيكية)، يشعر كل شخص بأنه في منافسة مع الآخر.

    عندما ينعزل الناس في فقاعاتهم الرقمية وهمومهم الشخصية (الديون، القلق، المسيرة المهنية)، يضعف "الريزوم" أو الشبكة الجماعية التي تسمح بالتمرد.

  •  




    العلاقة العلاجية شفاءً مشتركاً للطبيب والمريض،

    المريض يعلّم الطبيب معنى الضعف،

    والطبيب يعلّم المريض معنى الرجاء،

    وكلاهما يتعلمان معنى التواضع أمام سر الحياة.


    الأحد، 25 يناير 2026

    الكل ← الحقيقة المطلقة الواحدة (الله، البراهمان، التاو، الحقيقة المحمدية).

     

    • مثال: مفهوم "الحب الإلهي" في المسيحية الصوفية (مثل القديس يوحنا الصليب) يقابله مفهوم "العشق الإلهي" في التصوف الإسلامي (مثل ابن عربي ورابعة العدوية)، ويقابله مفهوم "بهكتي" في الهندوسية. 

    ب. الإنسان كصورة مصغرة عن الكون (الإنسان الكامل / Microcosm): 

     الوحدة مع المطلق. (مثل: التصوف في الإسلام، القبالاه في اليهودية، المسيحية الباطنة، اليوغا والفيدانتا في الهندوسية).

    • التاريخ الروحي للإنسان هو تاريخ تراجع من النور إلى الظلمة، من البساطة الروحية إلى التعقيد المادي (عكس نظرية التطور المادي).


    الرمزية العالمية الإسلام: الكعبة كمركز العالم، الماء كرمز للحياة الروحية.
    المسيحية: الصليب (اتحاد العمودي والأفقي).
    اليهودية: شجرة الحياة (سفيروت). الهندوسية/البوذية: زهرة اللوتس (التفتح الروحي من وسط الوحل).
    الطاوية: الين واليانغ (التكامل بين الأضداد).

    • ليس تلفيقياً (Syncretic). لا يدعو إلى خلط الأديان أو ابتكار دين جديد، بل إلى إدراك الوحدة في المستوى الباطني مع الالتزام الكامل بمظاهر دينك الظاهري.




    الجمعة، 23 يناير 2026

    نجاح ورقي وفشل شعبي

     

  • المواطن هو "الحامل الفعلي" للتكلفة: الحكومات تقترض، والمواطن يسدد عبر الضرائب، ورفع الدعم، وتآكل القوة الشرائية.

  • تآكل الطبقة الوسطى: التي كانت عماد الاستقرار، أصبحت الآن تصارع للبقاء تحت وطأة التضخم.

  • لماذا ندفع الثمن دائماً؟ (الأسباب البنيوية)

    1. غياب الشفافية: الموازنات العامة تبدو كأنها "صندوق أسود" لا يعرف المواطن كيف تُصرف أمواله.

    2. الفساد البنيوي: الذي تحول من انحراف عن النظام إلى جزء أصيل من آلية عمله.

    3. الحلول الترقيعية: الاعتماد على القروض لسد الفجوات بدلاً من إصلاحات هيكلية حقيقية تزيد الإنتاج.

    4. تجاهل البعد الاجتماعي: تصميم سياسات ترضي الدائنين الدوليين على حساب كرامة المواطن.


  • النجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد القروض المسددة، بل بعدد المواطنين الذين تحسنت ظروفهم المعيشية. وبدون هذا المقياس، تظل الأرقام الحكومية مجرد "ديكور" منفصل عن الواقع.


  • الأربعاء، 21 يناير 2026

    مصفوفة التشظي: كيف تتعارض مفاهيم الحرية؟

     التيارالمرجعيةالأولوية (الحرية هي...)الهاجس الأكبر (الخوف من...)الإسلاميالوحي/الشريعةالانضباط القيمي (الشورى)التحلل الأخلاقي والتغريبالعلمانيالعقل/الفردالحقوق الفردية المطلقةاستبداد النص الديني والوصايةاليساريالمادية الديالكتيكيةالعدالة الاجتماعيةتغول الرأسمالية والفقرالقوميالهوية/الأمةالتحرر من التبعية الخارجيةالتفتت والضعف أمام الاستعمار 

    الاثنين، 5 يناير 2026

    عبوديّة السوق، واستبداد السياسة، وثقافة الاستهلاك الحداثة الإسلامية حداثة روح في مقابل حداثة المادّة

     كيف نكون حداثيّين من دون أنْ نكفر بذاتنا؟ وكيف نكون أوفياء للذات من دون أنْ نعيش خارج التاريخ؟ هذا هو السؤال الذي تهرَّبت منه المشاريع الفكريّة الحداثيّة العربيّة والإسلاميّة كلّها تقريباً، لا لأنّها لم تدرك خطورته، بل لأنّها بُنيت على أرضيّة منحازة سلفاً،

    نقد المشاريع الحداثيّة العربية عند: "محمد عابد الجابري"، و"محمد أركون"، و"حسن حنفي"، و"نصر حامد أبو زيد"، و"علي حرب"، و"عبد الله العروي"، و"جورج طرابيشي"، و"هشام جعيط"، و"محمد شحرور"، و"عبد المجيد الشرفي"،

    "انحراف" العقل الإسلامي بين تقليديّة عاطفيّة وحداثة مستعارة، وشهادة على الحاجة إلى تأسيس تيّار فكري جديد، لا يُعيد إنتاج ما مضى، ولا يكتفي بانتقاد الموجود، وإنّما يصوغ مشروعاً أصيلاً نابعاً من القرآن، ومتحرِّراً من عبوديّة النماذج، ومتجاوزاً للثنائيّات العقيمة، ومنطلقاً من وظيفة التمهيد بوصفها المهمّة المركزيّة للأمّة الإسلاميّة.

     المعوقات أمام الحداثة الإسلاميّة المأمولة المتمثِّلة في الاستبداد الداخلي الذي يتمثّل في موقف الدولة العميقة الصلب في مواجهة أيّ مشروع تحرّري، والهيمنة الخارجيّة، والاستهلاك الثقافي الذي يستورد المفاهيم بدلاً من أنْ ينتجها، وأزمة الفرد المسلم المتمثِّلة في انشطار الذات المسلمة بين التراث والحداثة. 

    الوحي ـــــ رؤية كونيّة شاملة، تقدّم تصوّراً عميقاً عن أصل الإنسان وغايته، وعن العلاقة بين الزمن والمطلق، ومعنى التاريخ، وموقع العقل، ووظيفة المعرفة، وقيمة الحريّة، وحقيقة التقدّم، ووظيفة الدولة، ومعنى العدالة.

    حيث نقرأ الوحي بوصفه نصّاً مفتوحاً على المستقبل، يقدِّم لنا أفقاً حداثياً بديلاً يعيد تعريف الأسئلة الكبرى

    الحداثة الإسلامية حداثة روح في مقابل حداثة المادّة، وحداثة مفتوحة لا تلغي الآخر، بل تتّسع للجميع، ومن الممكن أنْ تسع العالم أجمع في ما أسماه بالحداثة العالمية.

    الموات العام بموت "الإله" مع "نيتشه ـــــ Nietzsche"، و"موت الإنسان" مع "فوكو ـــــ Foucault" و"بارت ـــــ Barthes"، و"موت المعنى" مع الهرمنيوطيقيين والتفكيكيين، أو بعبارة "مرتضى" "انتهت إلى مزيج مرير من العدميّة والاحتباس المادّي".

    حداثة مَهدويَّة، رؤية كونيّة تتعلّق بالعدل الإلهي، وبمستقبل الإنسان، وبإمكان قيام حضارة إنسانيّة عادلة.

    يظلّ الفكر الإسلامي حبيس سجن استعادة الماضي أو سجن استيراد الحداثة، وكلاهما لم يورثنا إلّا تخلّفاً وتبعيّة، فلقد حان الوقت - بحسب المؤلِّف - لإعلان نهاية مرحلة البحث عن الذات، وبداية مرحلة استعادة الموقع الطبيعي للأُمّة: أن تكون شاهدة على العالم، وقائدة لمستقبله، وحاملة لمشروع العدالة المقبل.


    الأحد، 4 يناير 2026

    الرافعة المالية ********* كتاب «1929».. أكبر انهيار في تاريخ «وول ستريت»

     سنأخذ منك 20 دولارًا، ونقرضك الـ80 دولارًا المتبقية، وهو ما عُرف بعد ذلك باسم «الرافعة المالية»، وتعنى استخدام المال المقترَض لزيادة حجم استثمارك بحيث تربح أكثر، لكن إذا خسرت تخسر أكثر أيضًا. 

    لم تكن كل البنوك تملك ملاءة مالية تسمح لها بسداد كل هذه القروض، ووصل الأمر إلى إفلاس 9000 بنك فى أمريكا، وبلغت نسبة البطالة 25٪. 

     الشاشات التى تعرض أسعار الأسهم كانت موجودة فى المنازل، ذلك لأن الجميع تقريبًا لديه أسهم ويشارك فى البورصة، ويتابعون هذه الشاشات التى تعرض الأسعار متأخرة حوالى خمس ساعات عن التوقيت الأصلى».

     الملايين أصبحوا يتشاركون فى حلم الثراء السريع من خلال شراء الأسهم بأموال ليست ملكهم، ولكنها مقترضة، وهو ما جعل السوق وكأنها برج ضخم قائم على أعواد ثقاب، وتوارى صوت العقلاء ممن حذروا من ارتفاع الأسعار، وأن الأسهم المتداولة يتم تقييمها بأعلى كثيرًا من قيمتها الحقيقية، خاصة مع ماكينة الإعلام التى تجعل الصورة أكثر بريقًا، ولم يرغب أحد فى إفساد المزاج العام والفرح بالأرباح السريعة.

    ووسط هذه الحالة بدأ التلاعب المنظم، حيث تتفق مجموعات من كبار المضاربين سرًا على رفع أسعار أسهم معينة، ثم بيعها عند الذروة، تاركين المستثمرين الصغار يواجهون الخسائر، وفى صباح الخميس بدأ الانفجار، حينما تراجعت الأسعار منذ اللحظات الأولى للتداول، وبدأت موجة كبيرة من بيع الأسهم مدفوعة بحالة من الذعر لدى المستثمرين الأصغر، والذين كانوا يسارعون بالبيع خوفًا من الخسارة حتى وجد كبار المستثمرين أنفسهم مضطرين للتدخل بشراء الأسهم لإيقاف نزيف البيع وانهيار الأسعار، لكن تدخلهم جاء متأخرًا، أما المؤسسات المالية فقد وجدت نفسها فى حالة من الفوضى هى الأخرى بعد أن تآكلت السيولة المالية لديها بشكل سريع وغير متوقع.


    حرص «سوركين» فى كتابه على إبراز دور مجموعة من الشخصيات التى يجد أنها جمعت بين الطموح والطمع، والرؤية غير الواضحة والسذاجة فى أحيان أخرى، وهى الشخصيات التى كانت سببًا فى الأزمة أو تحاول أن تصل لحل لها، وهم مجموعة من المصرفيين والسياسيين، بل وحتى رئيس الولايات المتحدة، هربرت هوفر، الذى تولى منصبه لفترة واحدة من 1929 حتى 1933، وخليفته الرئيس فرانكلين روزفلت.


     فكرة «الرافعة المالية» فى النظام المصرفى لإقراض المال للمستثمرين العاديين، بل وإثارة حمى المضاربة على الأسهم، وهو الرجل الذى أطلقت عليه الصحافة لقب «تشارلى المتفائل».


    مدير البنك كان قد نشر فكرة التداول فى باقى أقسام البنك، وعمل على إتاحة الاستثمار فى الأسهم للجميع، وفتح آلاف الأمريكيين من الطبقة المتوسطة حسابات هامشية، يدفعون 10 أو 20٪ من قيمة شراء الأسهم ويقترضون الباقى، ولم يعد الأمريكيون مضطرين للادخار لشراء السلع التى يرغبون بها، وأصبح الاقتراض عادة، خاصة مع انتشار فكرة مد أجل الديون مدى الحياة.


    أصبح بعض الأفراد أثرياء فاحشين، وجمع الأثرياء ثروات تجاوزت 100 مليون دولار، وهو ما يُعادل اليوم نحو مليارى دولار، وكان بعض كبار المديرين التنفيذيين فى أكبر الشركات الأمريكية يتقاضون رواتب ومكافآت تتراوح بين مليونين وثلاثة ملايين دولار سنويًا، أى ما يُعادل اليوم ما بين 37 و56 مليون دولار.


    حرص القانون على الفصل بين البنوك التجارية التى تستقبل الودائع وتمنح القروض، والبنوك الاستثمارية التى تتعامل فى الأسهم والسندات، ومنع الجمع بين النشاطين فى مؤسسة واحدة، وهو ما أدى إلى حالة من الاستقرار فى النظام المصرفى الأمريكى لعقود، حتى تم إلغاء هذا القانون عام 1999، وسُمح للبنوك بالجمع بين الأنشطة التجارية والاستثمارية مرة أخرى، وهو ما يعتبره البعض سببًا فى زيادة الرافعة المالية التى ساهمت فى أزمة 2008، وانهيار بعض البنوك بسبب استثماراتها المشتركة.


     فكرة "جعل الجميع مستثمرين" هي فكرة قديمة بدأت مع شخصيات مثل راسكوب، الذي كان يشبه إيلون ماسك في عصره من حيث الطموح، والتدخل في كل مفاصل الحياة والاقتصاد، والإيمان بأن البورصة هي وسيلة الشعب للثراء.


    يرفض التدخل الحكومى المباشر بحجة أن الاقتصاد سيصحح مساره بنفسه، وتارة أخرى يقوم بنشر موجة من التفاؤل من خلال حملة إعلانية، ومحاولات إقناع رجال الأعمال بعدم خفض الأجور، وتشجيع البنوك على الالتزام الأخلاقى دون استخدام أى صلاحيات له، فى حين أن الكواليس تكشف أنه عمل على إقناع خلفه المنتخب «روزفلت» بإصدار قرار بعطلة البنوك، والذى كان يخشى أن يصدره بنفسه حتى لا يقال إنه يتدخل فى الاقتصاد.


    المخاطر الاقتصادية التى يواجهها العالم اليوم، ومنها استخدام العملات المشفرة، التى اعتبرها مثيرة للقلق؛ لأن الكثيرين اقترضوا مبالغ طائلة، مثلما حدث عام 1929، لشراء هذه العملات، وطالما أن سعر البيتكوين، على سبيل المثال، مرتفع ويصل إلى 90 ألف دولار الآن، فقد يكون الوضع جيدًا، ولكن إذا انخفض سعره إلى 50 ألف دولار أو أقل، فإن الكثير ممن اقترضوا هذه المبالغ لن يفقدوا قيمة عملاتهم فحسب، بل سيصبحون مدينين بمبالغ طائلة لآخرين، الأمر الذى سيؤثر سلبًا على الاقتصاد ككل.