مجتمع يقدس "اللاثقل". لكن هذه الخفة التي وعدنا بأنها طريق التحرر من الأيديولوجيات الثقيلة والواجبات القمعية
لم تعد القوة تقاس بالصلابة، بل بـ"الخفة"
استبداد ناعم، يفرض علينا أن نكون مبتهجين، مستهلكين، و"خفيفين" على الدوام.
نعيش اليوم في ظل "ديكتاتورية الابتسامة"، حيث أصبح الحزن تهمة، والعمق عائقا أمام تدفق الإنتاج والاستهلاك. في هذا العصر، يمنع الفرد من "النبش في الذات" أو التوقف الطويل أمام جراح الوجود.
فكل حدث يجب أن يكون سريعا، مرحا، وقابلا للتفنيد في اللحظة التالية. لقد انتقلنا من قسوة "الواجب" إلى قسوة "المتعة"، حيث يطالب الإنسان المعاصر بأن يكون سعيدا بالإكراه، مما خلق إنسانا "هشا" يهرب من مواجهة ظله الكامن خلف قشور الاستهلاك.
محاولة المرء أن يكون "عميقا" في زمن السطحية، أو "مخلصا لحقيقته" في زمن الأقنعة الرقمية والتريندات العابرة، لم تعد مجرد خيار فكري، بل أصبحت فعلا من أفعال المقاومة.
ديمقراطية الموضة: اختفاء المركزيات والسلطات الثقافية العليا، وصعود منطق الموضة (التجديد السريع، التنوع، عدم الثبات) كمنطق حاكم في الفن والسياسة والأخلاق.
ضد السيولة: البحث عن "صلابة" جديدة – ليس بالضرورة صلابة أيديولوجيات القرن العشرين المتعصبة، ولكن صلابة المبادئ والالتزامات الطويلة الأمد التي تقاوم منطق الاستهلاك والتغيير السريع. إعادة الاعتبار للجذور، للتراث، للطقوس الثابتة، ليس كحنين رجعي، بل كبناء حصون معنوية ضد طوفان العبثية.
ضد الفردانية المنفلتة: إعادة اكتشاف "المشترك" – المشترك الإنساني، البيئي، المجتمعي. ليبوڤتسكي يتحدث عن "الإنسانية الضعيفة" المتمركزة حول الذات، والسير العكسي قد يكون بحثاً عن "إنسانية متضامنة" تخرج من دائرة الذات إلى دائرة المصير المشترك.
ضد ديمقراطية الاستهلاك: السير العكسي يمكن أن يكون "انتقائية مقاومة" – رفض الانجراف في تيار الموضة الدائم، واختيار الابتعاد عن التسليع العام. قد يتخذ شكل "بطء" متعمد، أو "بساطة طوعية"، أو إعادة حرفية للمنتجات والأشياء لاستعادتها من براثن "قابلية الاستهلاك".
إعادة تسييس ما تم تأنيته وتسييله: ليبوڤتسكي يرى أن "التأنيث" أدى إلى تراجع الخطابات السياسية الثورية العدائية لصالح خطابات الاعتراف والحقوق الفردية. السير العكسي قد يكون إعادة بناء خطاب سياسي جذري، لكنه مستفيد من دروس المرحلة – خطاب يجمع بين المطالبة بالعدالة (البعد "الذكوري" التقليدي) والرعاية بالبيئة والمجتمع (البعد "الأنثوي")، دون الوقوع في فخ الاستهلاك الهوياتي.
الثورة على "الرضا": مجتمع ليبوڤتسكي الناتج عن الحداثة الفائقة هو مجتمع يبحث عن المتعة والرضا الفوري وتجنب المعاناة. الفعل الثوري المضاد هنا هو قبول المعاناة الطوعية من أجل قيمة أعلى – كالنضال الطويل، أو التضحية من أجل مبدأ، أو ممارسة تتطلب صبرًا وجهدًا (مثل تعلم مهارة عميقة).
الخطر في هذا "السير العكسي" هو أن يتحول هو نفسه إلى موضة، إلى هوية استهلاكية ("الثوري"، "التقليدي الجديد"، "البسيط الطوعي") تُعرض في سوق النماذج الحياتية. أو أن يسقط في براثن الأصوليات الرافضة لكل حداثة.
الحداثة "الصلبة" (حسب مصطلح زيجمونت باومان) هي قيم إنتاجية، تنافسية، عقلانية صارمة، هرمية، وقائمة على القوة والسيطرة (وهي قيم تُنسب تقليدياً للحقل "الذكوري" العام)،
يصبح الهم هو "التعايش" و"الاعتراف" أكثر من تغيير هياكل القوة
الرعاية كأخلاقيات جديدة: من أخلاقيات الواجب والمبادئ المجردة (كانط) إلى أخلاقيات الرعاية (كارول جيليجان)، حيث تصبح مسؤولية الاهتمام بالآخر (في الضعف، المرض، الاختلاف) قيمة مركزية.
إعادة الاعتبار لقيم "ذكورية" منقحة: ليس العودة إلى الهيمنة والقسوة، بل إعادة تقييم قيم مثل الشجاعة (في قول الحق)، المسؤولية (عن الجماعة والمستقبل)، الحزم (في اتخاذ القرارات الصعبة)، التضحية (من أجل قضية أكبر) – لكن من منظور إنساني شامل، لا ذكوري استبعادي.
خلق نموذج إنساني جديد يتجااز الثنائية الذكوري/الأنثوي نحو أخلاقيات إنسانية متكاملة، قادرة على الرعاية والصراع في آن واحد، قادرة على التواصل والتحدي، قادرة على المرونة في التكتيك والصلابة في المبدأ.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق