التحليل الطبقي يعني النظر إلى المجتمع من زاوية العلاقات الاقتصادية بين الطبقات: من يملك الثروة؟ من يملك العمل؟ من يُنتج ومن يستهلك؟
كثير من المقاربات الاجتماعية الحالية تتجاهل هذه الزاوية، وتركّز على موضوعات مثل النوع أو العِرق أو الدين.
الدعوة هنا هي إلى أن أي فهم حقيقي للإشكاليات الاجتماعية (الفقر، التهميش، التفاوت، البطالة...) يجب أن يدمج التحليل الطبقي، لأن جذور أغلب هذه الإشكاليات اقتصادية وهيكلية، لا ثقافية فقط.
في الغرب، لأن الفرد حرّ تمامًا في جسده، يُعتبر من الطبيعي أن يُظهر ميوله أو علاقاته في الفضاء العام (الشارع، الإعلام، المدارس).
أما في الثقافات العربية، فهناك تفريق بين الفضاء الخاص (حيث ما يفعله الفرد شأنه) والفضاء العام (الذي تنظمه القيم الاجتماعية والدينية).
لا ينبغي استيراد النموذج الغربي كاملًا كـ“رزمة جاهزة”، لأن لكل مجتمع توازنه الخاص بين الحرية والقيم العامة.
صحيح أن هناك حالات تستدعي التدخل بسبب العنف أو الإهمال، لكنها أقلية. الغالب هو تدخل بدافع ثقافي، قائم على تصور أن نمط العائلة المهاجرة أو الريفية "متخلف" عن النموذج الوطني السائد.
ضرورة العلمانية اللينة أو الناعمة
ننظر إلى التعددية الثقافية (Pluralism) عندما نتحدث عن الموسيقى (مثل الراب، والموسيقى الأفريقية،، لكننا نغفل عن أن المجتمع يضم مُتدينين وغير مُتدينين. يُعدّ اللباس جزءًا من مفهوم "الخير" لدى المتدينين،
يُمنَعُ هذا اللباس في فرنسا بمجرد الاشتباه بأن فيه إشارة دينية محتملة، حتى بالنسبة للواتي يرغبن في النزول للسباحة بملابسهن الكاملة. لقد وصل الاستبداد لدى النُخب الليبرالية إلى درجة أنهم يستقوون على الضعيف بالقوانين، حيث يُشرَّع في فرنسا، وبشكل واضح، قانون ضد المسلمين كل شهرين أو ثلاثة.
النقاشات في البرلمان الفرنسي خلال العقد الأخير تكشف عن استهداف شبه مستمر (كل 4 أو 5 أشهر) للّباس أو حتى لتصرفات بسيطة، مثل رغبة لاعب كرة قدم في تناول تمرة عند أذان المغرب. يُقبَلُ كل التنوع، باستثناء أن يقول لك أحدهم: "أنا مُتنوع في تديّني"؛ وهذا أمر مخيف حقًا!
دَفَعَ خوف الإيطاليين على مفهوم العائلة، أو قلقهم من مرونة الجندر في لحظة ما، إلى التصويت لرئيسة الوزراء الحالية جورجيا ميلوني، فهم لا يعارضون وجود المتحولين جنسيًا أو المثليين، لكنهم يرفضون أن يُعاد تنظيم المجتمع بالكامل في غياب مفهوم أساسي للرجل والمرأة.
يتعين على المجتمع أن يتفق على مفهوم العدل، لأنه مفهوم بالغ الأهمية؛ فالعدل يعني أننا جميعًا مُتساوون، ولدينا حريات فردية تمنعنا من الإضرار بالآخرين، ويتضمن إعادة توزيع للثروة. كل هذا له علاقة بمفهوم العدل الذي يجب أن يتفق عليه المجتمع، بينما يُترَك مفهوم الخير للناس.
ضرورة قبول كل أشكال التنوع الجندري والجنساني بغض النظر عن الثقافة، لكن ما يعنيه هذا القبول، وكيف يُترجَم قانونيًا، يرتبط بكيفية صناعة المجتمع لقوانينه، وبكيفية التعبير عن الحقوق الفردية في دول يُفترض أنها ديمقراطية. أما ما يتجاوز القبول، فيجب أن يخضع للنقاش الثقافي.
عشتُ فترة في أوروبا (فرنسا)، وأجد أن بعض المظاهر السوسيولوجية هناك طبيعية في المجتمع الفرنسي مثل طريقة اللباس أو مهرجانات المثليين. وأرى أن الترويج لهذه المظاهر هناك أمر أصبح يكاد طبيعيا للأغلبية. لكن لا يمكننا أن ننتقل إلى مرحلة الترويج في بلد لا يقبل حتى مجرد القبول، فلاعب كرة قدم، على سبيل المثال، لن يُسمح له بأن يُصرَّ على وضع علم قوس قزح واللعب به؛ لا ينجح هذا الأمر.
الفرق بين "القبول مُقابل الاحتفاء"؛ فالفارق بينهما جوهري.
أُؤكد أن من حق الأفراد، ضمن مفهوم "الخير"، أن يعيشوا بالطريقة التي يشاؤونها. وفي المقابل، من حق العائلة، ضمن المفهوم ذاته، التي تريد أن تُربي أولادها على أن الزواج بين رجل وامرأة هو المفهوم الأساسي، وليس بين رجل ورجل.. هذا هو جوهر ما أتحدث عنه.
وَصَلَ القمع اليوم في بلد مثل بريطانيا إلى درجة أن الأهل قد يُستدعَون إذا ما علموا أن طفلهم كررَ لهم في المنزل ما قاله أهله عن تفضيل الزواج المغاير. يأتي الموظفون ليقولوا للأهل: "هذا يتعارض مع ما نُعلّمه في المدرسة بأن كل الأشكال ممكنة"، هذا التدخل منافٍ للقيم الليبرالية السياسية.
أعتبرُ تربية الأطفال جزءًا من مفهوم الخير، ومن حق العائلة أن تربي أولادها كما تشاء طالما لم تستخدم العنف. وأنا أقصد بالعنف النمط الذي يتكرر ولا يقتصر على مجرد رد فعل لحظي. لذا ينبغي أن تظل تربية الأطفال جزءًا من مفهوم الخير؛ وبالتالي لا يمكن للدولة، عبر موظف الخدمة الاجتماعية كما هو الحال في الدول الإسكندنافية، أن تكون سلطتها فوق سلطة العائلة، أو أن تحدد لها طريقة التربية.
تعود الاستقطابات الرهيبة التي تشهدها الولايات المتحدة اليوم إلى سخط اليمين على ممارسات الليبراليين الرمزيين. لقد كتبتُ هذا الكتاب قبل صعود ترامب، وأشرتُ فيه إلى أن تغيير المناهج في المدارس قد أدّى إلى اغتراب وإشكالات لدى الكثير من آباء وأمهات الطلبة.
في النرويج، أخبرتني أم -عرَّفت نفسها بأنها لا تؤمن بالدين- أنها ضد المناهج الجديدة للتربية الجنسانية والجندرية.. أرتني كتيبًا دراسيًا حول المنهاج الجديد للتربية الجنسية، يضم صورًا للعائلة بأشكالها المختلفة (رجل وامرأة، رجل ورجل، امرأة وامرأة، شخص بمفرده مع طفل.. إلخ). وقد أوضحت لي أنها لا تمانع إظهار أن العائلة تأخذ أشكالًا مغايرة، لكن يتم تقديمها بأسلوب يُضلل الأطفال؛ فاليوم في النرويج -وليس في المغرب أو لبنان- النسبة الغالبة للأسر (أكثر من 90%) هي لرجل وامرأة متزوجين. لذا، يجب أن يُوضع هذا النموذج كأساس للعائلة، وتُظهر الأشكال الأخرى كاستثناءات.
ترامب الافتتاحي، وعندما قال إن "أميركا هي رجل وامرأة وفقط"، تضاعف التصفيق. يُبرز هذا سخط المحافظين تجاه الليبراليين الرمزيين. أرى أن الخطاب الرئاسي يجب أن يتناول قضايا العدالة، لا قضايا الخير الخلافية.
مفهوم المغايرة الجنسية (الرجل يتزوج امرأة) الذي يُعد جزءًا من الميتافيزيقا ومفهوم الخير، والذي جاء غالبًا مع الأديان. لكن ليس كل ما جاء مع الأديان يجب أن يُنبذ، وليس لأن الأسرة كانت بطريركية تاريخيًا يجب أن نُلغيها.
بميتافيزيقا ضد ميتافيزيقا، فهناك تنافس وصراعات بمفاهيم الخير وأدعو إلى حله من خلال الحوار المجتمعي. يتمثل دور علم الاجتماع التحاوري تحديدًا في إيجاد حلول للمناطق الرمادية بين مفاهيم الخير المتنافسة، لكن لا يمكننا أن نعتبر أن مكافحة التمييز ضد مجتمع الميم يتطلب بالضرورة أن ندرّس أطفالنا مرونة الجندر.. أرى أن هذا اغتيال لليبرالية. والكتاب، كما أوضحتُ سابقًا، هو نقد ليبرالي لكيفية تحوّل الليبراليين، وهو نقد يقوم على أساس الليبرالية نفسها، وليس باسم أي دين أو عقيدة شمولية.
هناك تركيز مُفرط على أنني "ساري حنفي الفرد" الذي يريد أن يعمل ويلبس ويأكل ويشرب ويصادق ما يشاء. أضعنا بذلك حقيقة أن ساري حنفي ليس فقط فردا؛ بل هو أيضا أب لأسرة، وأستاذ لديه مسؤوليات أخلاقية تجاه الطلاب، وله صفات وأدوار أخرى. لقد أدى هذا التمجيد المطلق للخيارات الفردية إلى ما أعتبره الانحراف الأساسي في الليبرالية.
لماذا تَرى أنه لا يمكن إلغاء الأسرة لحل مشكلاتها؟
يجب أن نُقِرّ بوجود مشاكل حقيقية في الأسرة البطريركية، بما فيها انتهاك حقوق المرأة وحقوق الأطفال الصغار من قِبل الأبناء الأكبر سنًا، أو بين الآباء والأمهات وأطفالهم. يتعين معالجة هذه المشاكل، ويجب ألا نُغفل أهمية إيجاد توازن دائم بين حقوق الفرد وحقوق العائلة، فالحقوق ليست فردية فحسب، بل جماعية أيضًا.
دراسة توماس بيكيتي (Thomas Piketty) في كتابه "رأس المال في القرن 21″، أن الأبناء في فرنسا، تاريخيًا، كانوا يستطيعون إيجاد عمل والاعتماد على أنفسهم بعد سن 18. أما اليوم، فبسبب ارتفاع نسب البطالة، وتزايد تكاليف المعيشة مقارنة بالماضي، وتوقعاتنا بالعيش في مساكن مستقلة، نشهد اعتمادًا على العائلة أكثر بكثير مما كان قبل 50 سنة.
لا يمكن لأي والد اليوم أن يقول لابنه ذي 12 عامًا: "اذهب واعتمد على نفسك". فلو فعلنا ذلك في دول كالمغرب أو لبنان أو سوريا (أو حتى في دول الرفاه الغربية)، سيؤول مصير الأبناء إلى الشارع وسيصبحون بلا مأوى.
تظل الأسرة هامة حتى في دول الرفاه، مثل السويد؛ فعلى الرغم من أن الدولة هناك تفكك الأسرة بشكل مستمر، وأنها دولة غنية وتؤدي واجباتها بالكامل، فإنها لا تستطيع الحد من مشكلة المخدرات بين الشباب. مع أن الدولة تلعب دورًا أساسيًا في هذا التفكك.. هذا هو التناقض الجوهري الذي أتحدث عنه. لذلك، يجب علينا اليوم أن نضمن أن سياساتنا تدعم الأسرة ولا تفككها.
كمثالٍ سريع على هذا التغيير؛ قبل 20 سنة، كانت البنوك في دول مثل فرنسا وأميركا وكندا تُقرض الأب أو الأم لتسديد رسوم تعليم الابن الجامعية، وكان الأساس في ذلك هو العائلة. أما اليوم، فيُمنَح القرض للفرد مباشرةً وليس للعائلة. في الماضي كانت كفالة الأب لابنه تُبقي على وشائج اجتماعية قوية بينهما، بينما تحدُّ كل سياساتنا اليوم من سلطة الأسرة على الفرد.
ساهمت الرأسمالية المشاعرية في صعود التحليل النفسي والمُعالِج النفسي. فبينما كان الفرد تاريخيًا، يذهب ويتحدث عن مشكلته مع صديقه المقرب أو أهله (والده، والدته، خاله)، سادت اليوم فكرة اللجوء إلى مُعالج نفسي.
يلعب المُعالج النفسي دورًا في ترسيخ الفردانية، فعندما تتحدث إلى أخيك عن مشكلة، فإنه يُقاربها ضمن سياق العائلة التي يعرفها، وقد يلعب دور الوسيط مع الوالد. أما المُعالج النفسي فلا يستطيع لعب هذا الدور. وفي أسوأ الأحوال، إذا لم تسر الأمور بخير، فقد ينصحه المُعالج "بقطع العلاقة"، وهي ديناميكية مختلفة تمامًا عن التواصل العائلي.
خلافات حتى داخل صفوف اليسار نفسه (مثل خلافات الاتجاهات النسوية حول "الترانس" أو تمايزات حقوق مجتمع الميم بين عناصره داخليا). يوجد اليوم ضيق نفَس رهيب بسبب هذه الفردانية المُفرطة التي تُضيّع الحرية. وعندما لا نتحمل بعضنا البعض، يستطيع الطرف الأعلى أن يتدخل وينظر إلينا على أننا "زبائن يجب إرضاؤهم".
فالحرية تحوّلت من مشروع تضامن إلى سوق هويات، كل فئة تطالب بمساحتها الخاصة. عندها تتدخل السلطة أو السوق لتدير هذا التنوع كمستهلكين لا كمواطنين، أي تتحول الحرية إلى سلعة لا إلى قيمة مشتركة.
البحث إلى موقف أخلاقي أو سياسي أكثر منه تحليلًا معرفيًا.
المعيارية لا يمكن إلغاؤها، لكنها تُمارَس بوعيٍ نقدي يوازن بين الفهم والتقييم. أي أن الباحث لا يلغي موقفه الأخلاقي، بل يوسّطه داخل تحليلٍ واقعي يراعي تعقيد الظواهر.
باختصار: المطلوب ليس نفي المعيارية، بل تخفيفها وتحويلها من شعار إلى أداة للفهم.
مجتمع المدني -بمفهومه التقليدي كالنقابات والمنظمات الأهلية وغير الحكومية والأحزاب السياسية المعارضة- جمعيات المصالح. وتشمل هذه الجمعيات المصالح الدينية (المسجد والكنيسة) والجماعات التجارية والعائلية، فكلها تُعتبر جزءًا من المجال المدني العام.
صحيح. المجتمع المدني في تعريفه الكلاسيكي هو الحيز الوسيط بين الدولة والسوق والأسرة، الذي يضم التنظيمات الطوعية التي يعمل فيها الأفراد بحرية نسبية للدفاع عن مصالحهم أو قيمهم المشتركة.
يشمل ذلك:
-
النقابات المهنية والعمالية،
-
الأحزاب السياسية (خصوصًا المعارضة)،
-
الجمعيات الأهلية والمنظمات غير الحكومية،
-
الروابط الدينية والاجتماعية مثل المساجد والكنائس والجماعات العائلية أو التجارية.
جوهر الفكرة أن المجتمع المدني ليس بالضرورة "تقدميًا" أو "حداثيًا"، بل هو فضاء للتنظيم الذاتي خارج سيطرة الدولة المباشرة، يعبّر عن تعدد المصالح داخل المجتمع.
علم الاجتماع يجب أن يناصرَ المجال المدني بكل مكوناته؛ يتطلب ذلك التعامل مع هذه المكونات كلها وتقديم معرفة وصفية أقرب ما تكون إلى الحياد، وذلك لكي تتشكل إمكانية الحوار المجتمعي. وبعد تحقيق ذلك، يمكن الانتقال إلى المعيارية الصلبة التي ننتصر فيها للتعددية وللتعبيرات المحسوسة للإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
الباحث لا يبدأ بالدفاع عن قيم معينة، بل يبني معرفة محايدة قدر الإمكان تسمح بفهم التفاعلات والاختلافات داخل المجتمع.
عندما تُبنى هذه المعرفة الموضوعية، يصبح الانتقال إلى المعيارية الصلبة مشروعًا، أي الدفاع المعلن عن قيم التعددية وحقوق الإنسان، لكن على أساس فهم واقعي لا شعاراتي.
يتخذ موقفًا قيمياً واضحًا يناصر التعددية والكرامة الإنسانية، أي يقف ضد التمييز أو الإقصاء.
نسمع كثيرًا عبارة "لا حرية لأعداء الحرية"، التي يُقصد بها غالبًا الحركات الإسلامية، أي لا يمكن التحاور معها. أعتبر هذا إشكالًا كبيرًا في العالم العربي وفي دول أخرى، حيث رأيت هذا الإشكال يتكرر في سياقات مختلفة،
فكرني بكتاب مشكلتنا ***************
رفض منطق الإقصاء باسم الحرية. يرى أن التعامل مع "أعداء الحرية" يجب أن يكون بحثيًا وحواريًا لا حظرًا واستبعادًا.
لا يدافع عن مواقف تلك الحركات، بل يقول إن علم الاجتماع يجب أن يفهمها أولًا ضمن شروطها الثقافية والسياسية، بدل أن يحاكمها مسبقًا وفق معيار ليبرالي جاهز.
مرحلة وصفية تحليلية: دراسة كل الفاعلين، حتى المعارضين للديمقراطية، كجزء من المجال المدني.
-
مرحلة معيارية واعية: بعد الفهم، يمكن الدفاع عن الحرية، لكن دون نفي حق الآخر في الوجود أو التعبير.
بعبارة مختصرة: نواجه أعداء الحرية بالمعرفة والنقاش، لا بالإقصاء.
حين يقول بضرورة الحوار مع "أعداء الحرية"، يقصد الفاعلين السياسيين داخل المجتمع، حتى المختلفين أيديولوجيًا، لأن الهدف هناك بناء فضاء مدني تعددي.
أما الكفاح المسلح الفلسطيني فهو حركة تحرر وطني ضد استعمار خارجي، لا طرفًا مدنيًا داخل نظام ديمقراطي. في هذا السياق، العنف يُفهم كأداة مقاومة مشروعة، لا كقمعٍ للآخر المختلف داخل المجتمع.
إذن الفرق في طبيعة الصراع:
"التحاور" ليس معناه ندوات حوارية؛ بل يبدأ "بالتنظيم المدني الحضري". لا يمكن أن يتم التحاور في ظل وجود تجمعات مُغلقة (Ghetto communities) أو أحياء طرفية فقيرة تتكدس فيها مظاهر الفقر، إذ لا يمكننا التحاور بين طرف ضعيف جدًا وآخر قوي.
يَجبُ أولًا التفكير في تعديل ميزان القوة قبل إجراء التحاور. ففي الفضاءات الاستبدادية، قد تكون المظاهرات والحركات الاجتماعية هي السبيل للوصول إلى نقطة يُتاح فيها التحاور، بل قد يتطلب الأمر ثورة، بما فيها الثورة المسلحة، قبل البدء في التحاور.
علمُ الاجتماع التحاوري لا يقوم على منطق الأبيض والأسود، كما أنه لا يعني القطيعة التامة. بل يُمكن أن ينشأ لقاء، شريطة أن يُبنى على أسس لا تتحقق إلا بوجود توازن فعلي في موازين القوى.
يُشددُ علم الاجتماع التحاوري أيضًا على أسبقية العدل على الخير..
حقيقة الاشتغال على العدالة الاجتماعية. وأعتبر التركيز على هذا الموضوع أكثر أهمية من التركيز على قضايا "اللايف ستايل وحرياتنا الثقافية".
استكمال التحليل الطبقي بالتحليل الجندري والإثني والجغرافي وقضايا أخرى، لكنها أفضت إلى نسيان التحليل الطبقي. أقِرّ بفضل الحركة النسوية في الترويج لهذه المقاربة، التي تُنبّه عند تحليل أي ظاهرة إلى أن الظلم لا يتعلق فقط بالطبقة الاجتماعية، بل أيضًا بالجندر، والإثنية، والعرقية (حتى في حالة أميركا). ومع ذلك، ألاحظُ أننا ركّزنا بشكل كبير على هذه العوامل وأَغفَلنا التحليل الطبقي، الذي أراه بالغ الأهمية.
الحركات الإسلامية في مجتمعاتنا العربية، على سبيل المثال، ما زالت تفتقر إلى رؤية واضحة لشكل العدالة الاجتماعية. وفي هذا الإطار، أَتَساءل: كيف نتعامل مع النيوليبرالية اليوم؟ فنحن نريد جذب الاستثمارات، ولكن يَجبُ أن نعمل في الوقت ذاته على اقتصاد تعاوني جزئيًا على الأقل.
يرفض الانتقال الثوري الفوري من الرأسمالية إلى الاشتراكية
وأَتفقُ مع إيريك أولين رايت (Erik Olin Wright) في أن علينا اليوم البحث عن طوباوية بديلة تِكونواقعية. لدينا أمثلة كثيرة يمكن التفكير فيها، ومن أهمها "تعاونية مون دراغون" (Corporation Mondragon) في إقليم الباسك بإسبانيا؛ تخيل حجم هذه التعاونية التي يعمل بها 81 ألف عامل، يملكها العمال ولا يوجد لها مالك، وتعمل في كل القطاعات، بما فيها الصناعة العسكرية.
علم الاجتماع التحاوري والمشروع الليبرالي التحاوري الذي أُنادي به يتطلبان التفكير بجدية في إنهاء الاستقطابات الحادة التي تُنتج شبه حروب أهلية داخل مجتمعاتنا، حيث يُدمرُ المنتصر الطرف الآخر. هذا هو الفضاء الذي أتحدث عنه.
إيران للحجاب في الفضاء العام. ورغم أن الإشكالية تبدو متوازية (فكلتا الحالتين تُمثل انتهاكًا للتعددية في مفهوم الخير)، فإن الكتاب يُركز على عدم اتساق الطرف الليبرالي. لذلك، يَحْمِلُ الكتاب عنوان "ضد الليبرالية الرمزية".
أُدْركُ أن دولنا العربية الاستبدادية تفتقر إلى أدنى حد من استخدام القيم الليبرالية من قبل السلطة السياسية، بينما تحمل المعارضة مثل هذه القيم، مثل الديمقراطية ومفاهيم العدالة الاجتماعية الأخرى،
فرض مفهوم الخير على المجتمع
بعض المعارضات العربية تتخذ موقفًا علمانيا صلبا فيه قطيعة مع مجتمعاتنا العربية المتدينة، وبعضها يذهب إلى حد المناداة بمنع الحجاب في بعض الوظائف (كوظيفة المدرّسة في المدارس)، وهذا مخلّ كمن يمنع السافرة من هذه الوظائف.
تحمي الدولة من خلال مؤسساتها (كالشرطة) منتجات هذا القانون- أو عندما تتصارع مفاهيم الخير في الفضاء العام وتنشأ مشكلة. لذا، تُمثِّلُ الدولة أهمية كبيرة في التراث الليبرالي.
ثمة معضلة عندما نتحدث عن دولة استبدادية. ففي هذه الحالة، لا يمكننا تطبيق الكثير مما أَطْرَحُهُ في كتاب "ضد الليبرالية الرمزية" على أداء الدولة؛ ببساطة لأنها دولة استبدادية. هنا، لا تكمن المشكلة في عدم اتساق القيم الليبرالية، بل في كون الدولة نفسها تَنْتَهكُ كل هذه القيم.
استقلال المؤسسة الدينية هو الأهم، فأنا لستُ قلقًا على المؤسسة السياسية؛ فهي مستقلة دائمًا ولديها الجيش والشرطة. قلقي كباحث سوسيولوجي للدين مُنْصَبٌّ على استقلالية المؤسسة الدينية. تاريخيًا، اكتسبت المؤسسة الدينية استقلالها من خلال الوقف واحترام الناس.
دور المؤسسة الدينية ورجال الدين هام جدًا في الفعل الاجتماعي (كالدعوة إلى مقاومة الاستبداد والاستعمار)، لذا تُعدّ استقلاليتها المؤسسية مهمة. ولكن، يجب أن تُطبَّقَ مفاهيم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، التي قرر المجتمع تبنيها، على جميع مؤسسات المجتمع، بما فيها المؤسسة الدينية، وذلك ضمن إطار استقلاليتها نفسه.
في قضايا العلاقة بين الأديان والمذاهب (مثل الدروز والشيعة والسنة)، يجب ألا تقرر المؤسسة الدينية بمفردها، فنحن لا نرضى أن يحدث في أي دولة ما يحدث اليوم في اليونان، حيث لا يمكن بناء مسجد دون موافقة البطريرك الأرثوذكسي.. هذا ليس منطقيًا.. يَجِبُ أن يكون هناك دستور لحماية كل الأديان، وبالتالي، يَحِقُّ لأي دين بناء دار عبادته دون أن يُقَرِّر الطرف المنافس ذلك
بالمقابل، يجب ألا تتدخل الدولة في أمور الدين الداخلية.. لا يَجوز للدولة أن تُقَرر ما إذا كان الإمام يجب أن يكون رجلًا لا امرأة. كما لا يَحِقُّ للدولة -كما تفعل فرنسا- أن تُرسِلَ مُخْبِرين إلى الجوامع لِتَطْرُدَ الإمام إذا قرأ آية تذكر تعدد الزوجات؛ فلا يَنبغي التدخل في الدين.
لكن، يَحِقُّ لها التدخل إذا كان هناك عنف أو انتهاك صارخ لمفهوم العدل الذي قرره المجتمع. فمثلاً، في أميركا، تدخلت الدولة ضد استخدام الماريغوانا في الطقوس الدينية لبعض الديانات المحلية الوثنية. بهذا المعنى، تُعدُّ الدولة هامة كحَكَم أخير، كالمحكمة العليا. ولكن، أُشَدِّدُ على أن الدولة الاستبدادية لا يمكن أن تكون آخر حَكَم، وهذه هي المشكلة الكبرى اليوم.
دولًا مثل فرنسا تَنْتَهِكُ استقلالية المؤسسة الدينية الإسلامية تحديدًا، لكونها لا تَجْرُؤُ على فعل ذلك مع المسيحية أو اليهود، وتَعْتَبِرُ الإسلام دينًا أجنبيًا. وما نراه في فرنسا للأسف هو انتهاكٌ صارخٌ لاستقلالية المؤسسة الدينية. في المقابل، تُعاني دولنا العربية من قِلّة استقلالية المؤسسة الدينية عن المؤسسة السياسية. وأَعْتَقِدُ أن أي حديث عن العلمانية دون هذا الاستقلال هو حبر على ورق؛ بل هو هيمنة سياسية على الكهنة.
نَلْعَبَ دورنا كليبراليين في التغيير الاجتماعي لصالح العدل والمساواة ومنع الظلم، فيجبُ أن نَحُلَّ إشكالياتنا الداخلية أولًا. وأُدْرِكُ أن المشكلة الكبيرة التي تُواجهني هي: ما علاقة هذا الكتاب بشخص يعيش في بلد استبدادي؟ وأُقِرُّ بأن الكتاب لا ينطبق على فهم الدولة الاستبدادية، ولكنه يَنْطَبِقُ على فهم سلوك المعارضة الليبرالية في مجتمعات تطمح إلى الديمقراطية (مثل سوريا ما بعد الأسد).
أُلاحِظُ شيئًا مُدهشًا؛ هناك فجوة واضحة بين الليبراليين وعامة الناس.
أَنْتَقِدُ في هذا السياق فهم السلطة على أنها فقط من "فوق إلى تحت"؛ بينما يَجِبُ أن نَنْظُرَ إلى السلطة أيضًا من "تحت إلى فوق". عَلَيْنا أن نعمل من القاعدة إلى القمة. لذلك، يَجِبُ أن نُسَلِّطَ الضوء على أهمية مفاهيم التضامن و"المواطنية" و"الحب الاجتماعي".. إذا أَهْمَلْنَا هذه المفاهيم، سنظلُّ فقاعة لا يراها أحد، وإذا أَرَدْتَ أن تَصِلَ تحليلاتُك للناس، تَحَدَّثْ معهم.
ما يحدث اليوم في فلسطين هو محاولة لإعادة توازن القوى، بغض النظر عن فشل ذلك أو نجاحه. وأَعْتَقِدُ أن الشعب الفلسطيني، وخاصة أهالي غزة، خُذِلوا بشكل مذهل، أولا من الأنظمة العربية والإسلامية. ولكن لم يتخيل أحد هذا الانحطاط الدولي وانحطاط الديمقراطيات الليبرالية بهذا الشكل. لم يظن أحد أن هذه الدول ستقف صامتة أو مبارِكة وداعمة بالسلاح لهذه الإبادة الجماعية. وبالتالي، بغض النظر عن نجاح فعل المقاومة الفلسطينية أو فشله، أَعْتَبِرُ أن هذا التعديل لتوازن القوة كان هاماًّ جداً ليكون هناك حوار يومًا ما.
لا أمانع حضور الإسرائيليين إذا كانوا يلتزمون بمدونة أخلاقية تشمل مناهضتهم للنظام الاستعماري على الأقل في غزة والضفة الغربية.
كيف نُعَزِّزُ أهمية الوازع الداخلي والمساءلة الذاتية في ظل غياب أو ضعف السلطة المركزية. وفيما يخص آداب التحاور، نعودُ إلى أصوله وشروطه، فإذا انعدمت الأطر المؤسساتية المُلزِمة، فليس أمامنا سوى تفعيل وازعنا الأخلاقي والذاتي. إنَّ الأخذ بهذا الاعتبار هو الركن الأهم في معادلة الفعل والتأثير.
****
تحول الصراع من صراع طبقي (له بُعد جماعي ومطالب اقتصادية) إلى صراع هويات (فردي، ثقافي، جندري).
"أنا ليبرالي سياسياً، اشتراكي اقتصادياً، ومتنوع ثقافياً".
العدل ليس مجرد قاعدة لترتيب المؤسسات، بل هو مكوّن داخلي في مفهوم الخير ذاته، أي أن الخير لا يُعرف إلا من خلال عدلٍ متجذّر في طبيعته، لا منفصل عنه.
في السياق الإسلامي، يُرى أن مفهوم "العدل" في القرآن مرتبط عضويًا بمفهوم "الحكمة" و"الإحسان"، أي أن العدل ليس مجرد إعطاء كل ذي حقّ حقه، بل هو جزء من منظومة قيمية تهدف إلى تحقيق الخير الأعلى للإنسان والمجتمع.
هل يمكن لنظرية عدل أن تكون "عادلة" إن لم تكن مسبوقة برؤية أخلاقية متكاملة عن الخير الإنساني؟
ما هي حدود حرية التعبير؟ ويقارن بين:
المعيار الضيق (جون ستيوارت ميل والمحاكم الأمريكية): يحظر فقط الكلام الذي يحرض على "ضرر مباشر وشيك".
المعيار الواسع: الذي يمنع "خطاب الكراهية" الذي يسبب أذى نفسياً أو يهين الهويات.
المأزق العملي: يوضح أن الإشكالية تتفجر في القضايا العينية: هل ندعم حق شخص في التعبير عن دعمه لهجمات 7 أكتوبر أو 11 سبتمبر تحت مظلة حرية التعبير؟ الجواب ليس سهلاً، ويكشف أن الليبرالية تواجه أزمة عندما تختفي "الإجماعات المجتمعية" الأساسية.