الجمعة، 31 أكتوبر 2025

لم يعد الربح مرتبطًا بالإنتاج والعمل، بل أصبح مرتبطًا بالمال نفسه

 قبل التحوّل:

  • الربح = إنتاج سلعة أو خدمة.

  • الصناعة والعمل هما المصدر.

  • السوق يكافئ من يخلق قيمة حقيقية.

بعد صعود النيوكلاسيك:

  • الربح = حركة المال وتضخيمه.

  • لا فرق بين ربح صناعي حقيقي وبين ربح ريعي أو مالي.

  • رأس المال يبحث عن أقصر طريق للربح، حتى لو لم ينتج شيئًا.


كيف حدث هذا؟

  1. النخب المالية تحالفت مع النخب السياسية.

  2. أنشئت بنوك مركزية خاصة للتحكم في المال.

  3. خُفّضت الضرائب على أرباح رأس المال.

  4. شُرعن الاحتكار وفتح الباب لأدوات مالية معقدة.

النتيجة:

  • مركز الاقتصاد انتقل من المصانع إلى البنوك والبورصات.

  • الربح صار يُنتج من مضاربات واحتكارات وليس من إنتاج فعلي.

  • المال ينمو عبر المال، لا عبر العمل.

إنقاذ النظام:

  • تدخل الدولة عبر “الصفقة الجديدة”.

  • إنقاذ الاقتصاد بقيادة روزفلت.

  • لولا ذلك، كان النظام قد ينهار تحت ضغط الفقر والغضب الشعبي.

هذا التحوّل مثّل انقلابًا داخل الرأسمالية.
رأسمالية إنتاج → رأسمالية مال.
اقتصاد قيمة → اقتصاد مضاربة.
ثروة من العمل → ثروة من الاحتكار والأدوات المالية.

“الصفقة الجديدة” تسوية تاريخية: الدولة تنظم السوق وتحمي المجتمع من الإفلاس الجماعي، ورأس المال يقبل بالضرائب والقيود مقابل بيئة مستقرة للنمو، والعمال يقبلون بالنظام الرأسمالي مقابل ضمانات الرفاه والأجور العادلة. ومن رحم تلك التسوية وُلدت دولة الرفاه الاجتماعي بعد الحرب العالمية الثانية، التي حافظت لعقود على توازن دقيق بين الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية. أمّا النخب المالية، فقد تكيفت مع هذا النظام الرأسمالي “المنضبط”.

 انقلبت النيوليبرالية منذ السبعينات على دولة الرفاه. ومعها بدأت دورة جديدة من التوحش الرأسمالي تحت شعارات الحرية الفردية والسوق المفتوحة. في تلك المرحلة، أعادت النخب المالية بناء خطاب فكري وإعلامي ربط بين حرية السوق والحرية الإنسانية، وشيطنت دور الدولة باعتباره تدخّلًا في الحرية. فتحوّل رجال الأعمال إلى روّاد التقدم، بينما صُوِّرت الضرائب والضوابط القانونية كعقبة أمام الاستثمار الذي يخلق فرص العمل. وبالتوازي، تمّ تفكيك القيود القانونية التي كانت تحد من النفوذ السياسي لرأس المال، فصار المال يصنع القوانين ويموّل الحملات الانتخابية ويحدّد أولويات الدولة.

استمر هذا المسار حتى الأزمة المالية في 2008، التي كانت متشابهة بنيويًا مع انهيار 1929، فكلتاهما نتجتا من سيطرة المال على السياسة وهيمنة الاقتصاد المالي على الاقتصاد الإنتاجي. لكن نتائجهما التاريخية جاءت متباينة، فالأولى أفضت إلى الصفقة الجديدة وبناء دولة الرفاه، بينما الثانية أنتجت المزيد من التوحش الرأسمالي. فبدل إعادة هيكلة النظام، تمّ إنقاذ المصارف الكبرى على حساب دافعي الضرائب، وازداد تمركز الثروة بيد أقل من 1% من السكان. وفي الوقت نفسه تراجعت الطبقة الوسطى، وحلّت الانقسامات الثقافية والعرقية والدينية محل الصراع الطبقي، فتحولت الأزمة إلى صراع هويّاتي وصعود للفاشية الجديدة.

فاليوم لم يعد بالإمكان ترميم النظام عبر أدواته القديمة، لأن الاقتصاد لم يعد إنتاجيًا بل أصبح مثقلًا بالديون، والمجتمع لم يعد طبقيًا، والدولة لم تعد بهوية قومية موحدة بل منقسمة ثقافيًا. إن ما نشهده اليوم ليس مجرد ركود اقتصادي، بل تحوّل حضاري يعلن نهاية دورة كاملة من التاريخ الرأسمالي الغربي. وقد لا تأتي بعده “صفقة جديدة” بل نظام جديد بالكامل، ربما أكثر استبدادًا أو أكثر تفتتًا، يعيد تعريف الديمقراطية نفسها في عصر ما بعد الرأسمالية الغربية.

 الصين كاستثناء لافت في المسار الرأسمالي العالمي. فمنذ انفتاحها الاقتصادي في أواخر السبعينات، تبنّت آليات السوق ولكن دون التخلي عن سيطرة الدولة على رأس المال. سمحت بتراكم الثروة، لكنها لم تسمح بتحوّل الأثرياء إلى قوة سياسية مستقلة كما حدث في الغرب. فالمسار الاقتصادي هناك ظلّ إنتاجيًا، مرتبطًا بالتصنيع والتكنولوجيا والبنية التحتية، لا بالمضاربة والريع.

هذا التوازن بين السوق والدولة هو ما منح الصين استقرارها النسبي وسط العواصف المالية العالمية. فحين انهارت البورصات الغربية عام 2008، كانت الصين تواصل نموّها عبر الاستثمار الفعلي في الاقتصاد الحقيقي. كما أن طريقة حساب الناتج المحلي لديها أكثر واقعية من النموذج النيوليبرالي الذي يضخّم الناتج الغربي عبر احتساب الأرباح الريعية والمضاربات المالية كأنها إنتاج. لذلك، فإن النموّ الاقتصادي في الصين يعكس زيادة فعلية في الإنتاج المادي، بينما في أمريكا يعكس تضخّمًا في أسعار الأسهم والعقارات.

عمّمت منطقها الريعي على العالم كله. فأصبح هناك تضخّم وهمي للناتج العالمي يعكس تضخّم أسعار الأصول والخدمات المالية، لا زيادة الإنتاج الحقيقي العالمي.
لقد أصبحت الإحصاءات الاقتصادية أداة أيديولوجية لخدمة تدفقات رأس المال العالمي، وشرعنة توسيع سلطة رأس المال المالي على حساب الدولة، فتُخفي الواقع بدل أن تكشفه، وترتفع مؤشرات النمو بينما يتدهور المستوى المعيشي الفعلي للمجتمعات. وهذا يفسر كيف يمكن أن تتزامن “الازدهارات” الرقمية مع موجات الاحتجاج الشعبي في دول عدة من آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية.
من الصعب التنبؤ بما سيأتي بعد هذه الدورة، لكن المؤكد أن الرأسمالية الغربية وصلت إلى حدودها التاريخية. فكما أن الإقطاع لم يسقط في يوم واحد بل تفكك ببطء تحت وطأة تناقضاته، كذلك تتفكك الرأسمالية المتوحشة اليوم تحت ثقل تناقضاتها وأزماتها الذاتية. فالحل سيكون حضاريًا أكثر منه اقتصاديًا، يبحث فيه العالم عن معادلة بديلة تُوازِن بين الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، بين الحرية والمساواة، بين رفاهية الإنسان والحفاظ على البيئة.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق