نقطة تماس حساسة بين ثلاثة أنساق فكرية في المشهد المصري:
-
النسق السلطوي:
يستخدم الدين ضمن مشروع ضبط المجال العام. السلطة لا تهاجم الدين في ذاته، لكنها تُحدّد من يتحدث به وكيف. تدخلها في قضية العدوي ليس رفضًا للدين، بل لضبط من يملك حق تفسيره علنًا. هذه هي سياسة “التحكم في الشرعية الرمزية”. -
النسق السلفي التقليدي:
العدوي يمثل نموذج “العالم غير المُسيَّس” الذي يرى نفسه حارسًا للنص لا للسلطة. لكن في النظام الحديث، كل خطاب عام هو بالضرورة سياسي. حين يتكلم في “زيارة المتحف” ظن أنه يتكلم فقهًا، بينما الدولة رأت أنه يتكلم في رمزية الهوية الوطنية، وهي مسألة سياسية حساسة. -
النسق التنويري/العلماني:
جزء منه رحّب بإسكات العدوي بدافع نقد “الظلامية”، لكنه وقع في مفارقة: تبنّى القمع الذي يزعم رفضه. فبدل أن يُواجه فكر العدوي بفكر مضاد، أي بالحوار، رحّب بإقصائه، ما أظهر تواطؤًا بنيويًا بين السلطة وقطاع من النخبة ضد حرية التعبير.
النتيجة:
الحدث كشف أن الصراع في مصر ليس بين “تنوير” و“تديّن”، بل بين من يحتكر الخطاب العام ومن يُقصى عنه.
ففي الحالتين، الدين يُستعمل كرمز سياسي:
-
السلطة توظّفه لحماية صورتها.
-
السلفي يراه معيارًا للحقيقة.
-
التنويري يوظّفه لإبراز تفوقه العقلي.
ثلاث طرائق مختلفة لاستخدام الدين في المجال العام:
-
السلطة:
تستخدم الدين كـ"رمز شرعية".
أي تجعل الخطاب الديني وسيلة لتثبيت صورتها أمام الناس بأنها "تحكم بما يرضي الله" أو "تحمي القيم".
الهدف سياسي، لا ديني. -
السلفي:
يرى الدين حقيقة مطلقة يجب أن تُطاع لا أن تُؤوّل.
الدين هنا معيار للحكم على كل شيء: الأخلاق، الفكر، الفنون، الدولة.
لا يُستخدم لأغراض دنيوية بل كـ"مقياس للحقيقة". -
التنويري:
لا يرفض الدين، لكنه يوظّفه لإظهار أنه فهمه بعقلانية، أي ليُبرز تفوقه العقلي على المتدين التقليدي.
الدين يصبح عنده رمزًا ثقافيًا يبرهن من خلاله على "تحرره" و"تقدّمه الفكري".
النتيجة:
الدين يتحول من تجربة روحية إلى أداة رمزية في الصراع على المعنى والشرعية بين ثلاث قوى: السلطة، السلفية، والتنوير.
بدل أن يكون تجربة روحية شخصية تهدف إلى معرفة الله والارتقاء الأخلاقي، يصبح وسيلة صراع رمزي بين قوى تريد امتلاك "حق تفسير الحقيقة":
-
السلطة السياسية:
تستعمل الدين لتأكيد شرعيتها.
تقول ضمنًا: "نحن نمثل إرادة الله في الأرض، ومن يعارضنا يعارض الدين".
النتيجة: الدين يُختزل في طاعة الحاكم والسكوت عن الظلم. -
السلفية:
تستعمل الدين لتأكيد الاحتكار المعرفي للحقيقة.
تقول: "نحن وحدنا نفهم النص كما فهمه السلف، ومن خالفنا ضلّ".
النتيجة: الدين يُختزل في نقاء العقيدة والانغلاق على التأويل الواحد. -
التيار التنويري:
يوظّف الدين ليبرهن أنه عقلاني ومتقدم.
يقول: "الدين الحقيقي لا يتعارض مع العقل الحديث، لكن المتدينين شوّهوه".
النتيجة: الدين يُختزل في رمز ثقافي يستخدم لتأكيد تفوق العقل على التقليد.
في هذه اللعبة الرمزية، كل طرف لا يبحث عن الحق الإلهي بل عن الشرعية الاجتماعية.
فيختفي البعد الوجودي والروحي للدين، ويُستبدل بـ"من يملك تفسيره الصحيح".
بدل أن نسأل "من يملك الحقيقة؟"، نسأل "كيف نحياها؟".
الدين هنا يصبح طريقًا للتزكية والمعنى لا ساحة جدل أو هوية جماعية.
عبد الكريم سروش تحريرًا للدين من السياسة والتعصّب دون نزع قداسته.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق