الفضاء العام، خاصة في المنطقة العربية، يفتقر إلى وظيفته الأصلية بوصفه حاضناً للتداول العقلاني، وغدا مجرد سوق رمزي، يعكس منطق الاستهلاك أكثر مما يعكس إمكانات التواصل. في مثل هذا الفضاء، يتأسس المعنى على قوة الصورة وسرعة التوزيع فقط.
عبر غياب البنى المؤسسية التي تتيح إنتاج «أنا جماعية». في ظل هذا الغياب يطفو على السطح نموذج الذات الممزقة؛ فرد يلهث وراء الاعتراف عبر الاستهلاك والانكشاف الرقمي، دون أن يمتلك إطاراً قيمياً أو سياسياً يعيد توجيه رغبته.
هذه المفارقة تجعل النرجسية في السياق العربي أكثر ارتباطاً بالتفكك الاجتماعي، وأقل ارتباطاً بمجرد الاستعراض الثقافي كما في الغرب.
حمودي يذكراننا بأن المجتمعات لا تبنى على اعتراف فردي هشّ، وإنما على صيغ أوسع للتمثيل والقيم المشتركة. من دون هذا الأفق سيظل الاستهلاك هو اللغة الوحيدة الممكنة للذات العربية،
التفكير في بدائل يتطلب إعادة تأسيس مفهوم الاعتراف نفسه، كحقل قيمي يتيح للفرد أن يرى ذاته جزءاً من جماعة أوسع، وليس مجرد صورة عابرة على شاشة.
هابرماس فكرة «الفضاء العام» كمجال للنقاش العقلاني الحر، لكن في زمن الاستهلاك الرقمي، يتفكك هذا الفضاء ليغدو مجرد سوق رمزي، تُقاس فيه القيمة ليس بعمق الفكرة، وإنما بقدرتها على الانتشار والظهور. في السياق العربي يضاعف هذا من هشاشة الذات؛ فهي لا تجد مجالاً حقيقياً للتفاعل القيمي، لكنها تنحصر في تبادل سريع للرموز والصور، دون تأسيس لنقاش مشترك.
وفوكو
تثبّت موقعه ضمن الجماعة. لكن مع هيمنة منطق السوق، تحوّل الاعتراف إلى سلعة رمزية تُقاس وتُتداول مثل أي منتج استهلاكي. لم يعد الاعتراف مرهوناً بعمق التجربة الإنسانية، بل بقدرة الذات على حصد إشارات رقمية عابرة. هكذا يغدو الاعتراف أشبه برصيد في بنك رمزي، يعلو ويهبط وفق حركة السوق، دون أن يستند إلى قيمة وجودية أو إلى شبكة من العلاقات الحقيقية. في هذه اللحظة، ينكشف الطابع السلعي للاعتراف؛ كعلامة قابلة للتسويق والاستهلاك، شأنها شأن أي سلعة أخرى.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق