سنأخذ منك 20 دولارًا، ونقرضك الـ80 دولارًا المتبقية، وهو ما عُرف بعد ذلك باسم «الرافعة المالية»، وتعنى استخدام المال المقترَض لزيادة حجم استثمارك بحيث تربح أكثر، لكن إذا خسرت تخسر أكثر أيضًا.
لم تكن كل البنوك تملك ملاءة مالية تسمح لها بسداد كل هذه القروض، ووصل الأمر إلى إفلاس 9000 بنك فى أمريكا، وبلغت نسبة البطالة 25٪.
الشاشات التى تعرض أسعار الأسهم كانت موجودة فى المنازل، ذلك لأن الجميع تقريبًا لديه أسهم ويشارك فى البورصة، ويتابعون هذه الشاشات التى تعرض الأسعار متأخرة حوالى خمس ساعات عن التوقيت الأصلى».
الملايين أصبحوا يتشاركون فى حلم الثراء السريع من خلال شراء الأسهم بأموال ليست ملكهم، ولكنها مقترضة، وهو ما جعل السوق وكأنها برج ضخم قائم على أعواد ثقاب، وتوارى صوت العقلاء ممن حذروا من ارتفاع الأسعار، وأن الأسهم المتداولة يتم تقييمها بأعلى كثيرًا من قيمتها الحقيقية، خاصة مع ماكينة الإعلام التى تجعل الصورة أكثر بريقًا، ولم يرغب أحد فى إفساد المزاج العام والفرح بالأرباح السريعة.
ووسط هذه الحالة بدأ التلاعب المنظم، حيث تتفق مجموعات من كبار المضاربين سرًا على رفع أسعار أسهم معينة، ثم بيعها عند الذروة، تاركين المستثمرين الصغار يواجهون الخسائر، وفى صباح الخميس بدأ الانفجار، حينما تراجعت الأسعار منذ اللحظات الأولى للتداول، وبدأت موجة كبيرة من بيع الأسهم مدفوعة بحالة من الذعر لدى المستثمرين الأصغر، والذين كانوا يسارعون بالبيع خوفًا من الخسارة حتى وجد كبار المستثمرين أنفسهم مضطرين للتدخل بشراء الأسهم لإيقاف نزيف البيع وانهيار الأسعار، لكن تدخلهم جاء متأخرًا، أما المؤسسات المالية فقد وجدت نفسها فى حالة من الفوضى هى الأخرى بعد أن تآكلت السيولة المالية لديها بشكل سريع وغير متوقع.
حرص «سوركين» فى كتابه على إبراز دور مجموعة من الشخصيات التى يجد أنها جمعت بين الطموح والطمع، والرؤية غير الواضحة والسذاجة فى أحيان أخرى، وهى الشخصيات التى كانت سببًا فى الأزمة أو تحاول أن تصل لحل لها، وهم مجموعة من المصرفيين والسياسيين، بل وحتى رئيس الولايات المتحدة، هربرت هوفر، الذى تولى منصبه لفترة واحدة من 1929 حتى 1933، وخليفته الرئيس فرانكلين روزفلت.
فكرة «الرافعة المالية» فى النظام المصرفى لإقراض المال للمستثمرين العاديين، بل وإثارة حمى المضاربة على الأسهم، وهو الرجل الذى أطلقت عليه الصحافة لقب «تشارلى المتفائل».
مدير البنك كان قد نشر فكرة التداول فى باقى أقسام البنك، وعمل على إتاحة الاستثمار فى الأسهم للجميع، وفتح آلاف الأمريكيين من الطبقة المتوسطة حسابات هامشية، يدفعون 10 أو 20٪ من قيمة شراء الأسهم ويقترضون الباقى، ولم يعد الأمريكيون مضطرين للادخار لشراء السلع التى يرغبون بها، وأصبح الاقتراض عادة، خاصة مع انتشار فكرة مد أجل الديون مدى الحياة.
أصبح بعض الأفراد أثرياء فاحشين، وجمع الأثرياء ثروات تجاوزت 100 مليون دولار، وهو ما يُعادل اليوم نحو مليارى دولار، وكان بعض كبار المديرين التنفيذيين فى أكبر الشركات الأمريكية يتقاضون رواتب ومكافآت تتراوح بين مليونين وثلاثة ملايين دولار سنويًا، أى ما يُعادل اليوم ما بين 37 و56 مليون دولار.
حرص القانون على الفصل بين البنوك التجارية التى تستقبل الودائع وتمنح القروض، والبنوك الاستثمارية التى تتعامل فى الأسهم والسندات، ومنع الجمع بين النشاطين فى مؤسسة واحدة، وهو ما أدى إلى حالة من الاستقرار فى النظام المصرفى الأمريكى لعقود، حتى تم إلغاء هذا القانون عام 1999، وسُمح للبنوك بالجمع بين الأنشطة التجارية والاستثمارية مرة أخرى، وهو ما يعتبره البعض سببًا فى زيادة الرافعة المالية التى ساهمت فى أزمة 2008، وانهيار بعض البنوك بسبب استثماراتها المشتركة.
فكرة "جعل الجميع مستثمرين" هي فكرة قديمة بدأت مع شخصيات مثل راسكوب، الذي كان يشبه إيلون ماسك في عصره من حيث الطموح، والتدخل في كل مفاصل الحياة والاقتصاد، والإيمان بأن البورصة هي وسيلة الشعب للثراء.
يرفض التدخل الحكومى المباشر بحجة أن الاقتصاد سيصحح مساره بنفسه، وتارة أخرى يقوم بنشر موجة من التفاؤل من خلال حملة إعلانية، ومحاولات إقناع رجال الأعمال بعدم خفض الأجور، وتشجيع البنوك على الالتزام الأخلاقى دون استخدام أى صلاحيات له، فى حين أن الكواليس تكشف أنه عمل على إقناع خلفه المنتخب «روزفلت» بإصدار قرار بعطلة البنوك، والذى كان يخشى أن يصدره بنفسه حتى لا يقال إنه يتدخل فى الاقتصاد.
المخاطر الاقتصادية التى يواجهها العالم اليوم، ومنها استخدام العملات المشفرة، التى اعتبرها مثيرة للقلق؛ لأن الكثيرين اقترضوا مبالغ طائلة، مثلما حدث عام 1929، لشراء هذه العملات، وطالما أن سعر البيتكوين، على سبيل المثال، مرتفع ويصل إلى 90 ألف دولار الآن، فقد يكون الوضع جيدًا، ولكن إذا انخفض سعره إلى 50 ألف دولار أو أقل، فإن الكثير ممن اقترضوا هذه المبالغ لن يفقدوا قيمة عملاتهم فحسب، بل سيصبحون مدينين بمبالغ طائلة لآخرين، الأمر الذى سيؤثر سلبًا على الاقتصاد ككل.