إن نشوء "العدو الثقافي" أو "الآخر" هي حاجةٌ متأصِّلةٌ في كل ثقافةٍ حتى تتجاوز أزماتها الداخلية، والآخر قد يكون خارج الحدود وعابراً للجغرافيا السياسية.
الآخر في غالب الأحيان هو النقيض الذي يحملُ من الصفات ما لا تحمِله الذات، فقد يتشكل الآخر من قلب الثقافة الأم، وقد يكون عابراً للأوطان والجغرافيا بصفته الاستعمارية أو الاستيطانية، فحضور الآخر في ذاتنا يضعنا وإياه في مواجهة مباشرة؛ تكون لمرة واحدة في بعض الأحيان وقد تدفع -هذه المواجهة- بأحدنا نحو مربَّعٍ مختلف فإما يحدث التقارب وإما يقع التنافر الذي تعزِّزهُ النقائض التي يدَّعي كل طرف عدم وجودها لديه.
، فعندما نقول “نحن” نُضمِر فوراً أنَّ على الطرف الآخر هناك “هم”، وعندما نقول “هم” فإن الإشارة الخفية تكون إلى “نحن”، ومن هنا هل يمكن القول إن أيّ ثقافة “وطنية” تبحث عن عدو حتى تضمن استمرارها؟ فهل يتغير العدو الثقافي مع تقادم الأيام، إذا كان التاريخ ليس فقط وحدات زمنية متتالية تتوالد من بعضها، وإنما الحاضر اليوم الذي سيغدو تاريخاً غدأ يتأثر بجملة من العوامل التي ترسِّخ وجود “العدو الثقافي” الذي يٌستَعادُ نشاطهُ دائماً في الحاضر المُتَأثِّر بشكل مباشر بما مضى في التاريخ، كيف ممكن أن نفهم مثلاً وجود العدو الثقافي “التركي” بشكل دائم في روايات نيكوس كازانتزاكيس الذي وُلِد وعاش ودُفِنَ في جزيرة كريت اليونانية التي حمَل مطارُها الرئيسي اسمه، واحتفت به كما يليق بكاتِبٍ أعادَ وضع الجزيرة على خارطة الذهنية العالمية بعد أن نقل جغرافيتها من المحلية إلى العالمية.
الحالة العربية أستطيع القول إن صورة العدو الثقافي ظهرت بشكل واضح في المرويات الشعبية، وتحديداً عندما صار اليهودي في الذهنية العربية مرتبطاً بالإسرائيلي الذي استخدم النص الديني اليهودي للاستيلاء على الأرض العربية، ثم تأثّر شكلُ هذا “العدو الثقافي” بكثير من التصورات التاريخية والآنية والمُفترَضة مستقبلاً.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق