ومن المفترض أن السياسيين والمسؤولين الحكوميين أكثر إدراكا منا لخطورة الموقف، ويجب أن يكونوا قدوة لنا جميعا. فلماذا لا يلتزم كثيرون منهم بما نصحونا به؟
وفي نيوزيلندا، أحيل وزير الصحة، ديفيد كلارك، لمهام أدنى بعد خرقه قواعد الحظر المطبقة بالبلاد، باصطحاب أسرته للشاطئ. وفي جنوب أفريقيا أوقفت وزيرة عن العمل بعد نشر صورة لها وهي تتناول الغداء مع صديق.
ولا تقتصر الظاهرة على الأزمة الحالية ولا على المسؤولين الحكوميين. ففي عام 2019، أقيل ستيف إيستربروك، المدير التنفيذي لسلسلة مطاعم ماكدونالدز للوجبات السريعة، من منصبه بعد الكشف عن علاقة غرامية بموظفة. ورغم أن العلاقة كانت بالتراضي على ما يبدو، فإنها خالفت اللوائح المشددة للشركة بشأن العلاقات بين الموظفين – وهي اللوائح التي كان إيستربروك مسؤولا عن تطبيقها.
سلطة القائد تعتمد على رؤية الناس له كشخص نزيه وصادق. ويفقد سلطته إذا تصرف برياء. كما يحب أغلب القادة أن يكونوا محل إعجاب الآخرين، ويغضب الناس حين تبدر منهم إزدواجية في المعايير. فما السبب إذن في انتشار النماذج السابقة؟
الرغبة في إرضاء جهات مختلفة
خبير علم النفس الاجتماعي
الناس لا يقرنون أحيانا أقوالهم بأفعال، ومع ذلك لا يوصمون بالرياء، فلو نصح مدمن مخدرات الآخرين بعدم تعاطي المخدرات لن يصفه أغلب الناس بأنه منافق، لكن إذا ادعى شخص الفضيلة أمام الناس ومارس غير ذلك سرا فسيغضب الناس لأنه ادّعى من الخلق ما ليس فيه وحاز مكانة لا يستحقها". فالظلم - وليس عدم إقران الأقوال بالأفعال - هو ما يثير حفيظتنا حقا.
إذا كان القادة يعون عدم تقبل الناس للنفاق، فلماذا يأتون بتصرفات تجعلهم عرضة للاتهامات؟
التفسير الأبسط هو اعتقادهم بأن أحدا لن يعرف ما يقومون به. ربما يكون ذلك صحيحا في بعض الحالات، لكن إفرون يشير إلى أن أغلب الناس يريدون أن تكون نظرتهم لأنفسهم كأناس صالحين. وربما كان السبب الخفي وراء عدم اقتران أقوالهم بالأفعال هو رغبتهم في إرضاء جهات مختلفة.
في كافة المؤسسات على اختلافها قد يصارع المرء من أجل إرضاء مطالب متضاربة لجهات شتى، فربما تريد جهة ما شيئا بينما تريد جهة أخرى خلافا للشيء نفسه، ويسعى القائد لإرضاء هذه الجهة وتلك، إحداها بالكلام والأخرى بالفعل حتى لو ناقض كل منهما الآخر
ويخطئ من يظن أنه في أزمة، مثل التي نمر بها الآن، لن يكون على القائد إلا إرضاء جهة واحدة - وهي الشعب. دعونا نحاول فهم الأمر من وجهة نظر القائد.
إحدى الجهات هي الأسرة، وقد يرى القائد أنه بفعله هذا يوازن بين حاجة أسرته من ناحية وواجباته العامة من ناحية أخرى
تباين بين القول والفعل، فوجد أن الثقافات التي تؤكد على المجموع أكثر من الفرد، كما هو الحال في بلدان آسيوية وبأمريكا اللاتينية، لا تعتبر هذا التناقض بالضرورة رياء - بخلاف الثقافات الأكثر تأكيدا على الفردية كبريطانيا والولايات المتحدة. وفي الثقافات التي تهتم بالجماعة، يكون من المقبول السعي لإرضاء جهات عدة، والأهم الإبقاء على العلاقات حتى لو جعل ذلك المرء يقول شيئا ويفعل شيئا آخر.
يدفع القادة للرياء، خاصة تحت الضغط، ويتعلق بظاهرة سمّاها علماء النفس بـ"الرخصة الأخلاقية".
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق